[ نبذة من الكلام على سيدنا سفيان الثوري وما ورد عنه في شأن العزلة ]
أجمعوا على التّحذير من زمانهم وأهله وآثروا العزلة وأمروا بذلك وتواصوا به ولا شكّ أنّهم كانوا أبصر وأنصح وأنّ الزّمان لم يصر بعدهم خيرا ممّا كان بل هو أشرّ منه وأمرّ ، وهذا ما ذكر عن يوسف بن أسباط أنّه قال : سمعت الثّورىّ يقول : واللّه الّذى لا إله إلّا هو لقد حلّت العزلة في هذا الزّمان ،
شرح
( أجمعوا ) خبر أن : أي اتفقوا ( على التحذير ) أي التخويف ( من زمانهم وأهله وآثروا ) أي أي اختاروا ( العزلة ) والانفراد عن الناس ( وأمروا بذلك ) أي المذكور من العزلة ( وتواصوا ) أي أوصى بعضهم بعضا ( به ) أي بالعزلة ( ولا شك أنهم ) أي السلف الصالحين ( كانوا أبصر ) أي أكثر بصيرة ( وأنصح ) أي أكثر نصيحة وإرادة للخير ( و ) لا شك ( أن الزمان لم يصر بعدهم خيرا مما كان ) أي مما مضى ( بل ) صار ( أشر منه وأمرّ ) أي أشد مرارة منه ( وهو ) أي زمان الشر ، أي بيانه من حل العزلة والانفراد في ذلك الزمان ( ما ذكر عن يوسف بن أسباط ) الشيباني رحمه اللّه تعالى أقام أربعين سنة ليس له إلا قميصان إذا غسل أحدهما لبس الآخر ، وكان يعمل الخوص بيده ويتقوت حتى مات ، توفى سنة نيف وتسعين ومائة وليس على جسمه أوقية لحم ، قاله ابن عبد الحق ( أنه قال : سمعت ) سفيان بن سعيد بن مسروق ( الثوري ) الكوفي كان إماما في علم الحديث وغيره من العلوم ، وهو من تابعي التابعين ، سمع أبا إسحاق السبيعي وعبد الملك بن عمير وعمرو بن مرة وخلائق من كبار التابعين وغيرهم ، روى عنه محمد بن عجلان والأعمش وهما تابعيان ومعمر والأوزاعي وابن أبي إسحاق ومالك وابن عيينة وشعبة والفضيل ابن عياض وأبو الأحوص وأبو إسحق الفزاري وابن المبارك وزائدة وابن مهدي ووكيع وأبو نعيم ويحيى القطان ومحمد بن يوسف الفريابي وخلائق ، وأجمع الناس على دينه وورعه وزهده وثقته ، وهو أحد الأئمة المجتهدين ، مولده في سنة خمس ، وقيل ست ، وقيل سبع وتسعين من الهجرة ، وتوفى بالبصرة سنة إحدى وستين ومائة متواريا من السلطان ، ودفن عشاء . رحمه اللّه ولم يعقب والثوري بفتح الثاء المثلثة وبعدها واو ساكنة وراء نسبة إلى ثور بن عبد مناة رحمه اللّه ( يقول :
واللّه الذي لا إله إلا هو لقد حلت العزلة في هذا الزمان ) أخرجه أبو نعيم في الحلية فقال : وحدثنا أحمد بن إسحاق ، حدثنا أحمد بن روح حدثنا أحمد بن عتيق سمعت يوسف بن أسباط يقول :
كنت مع سفيان الثوري في المسجد الحرام ، فقال : واللّه الذي لا إله إلا هو ورب هذه الكعبة لقد حلت العزلة . وقد روى عن عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه أنه قال « خذوا بحظكم من العزلة » . وقال ابن سيرين : العزلة عبادة وذلك لأنها تدعو إلى السلامة من المحظورات . وقال الفضيل بن عياض : كفى باللّه محبا ، وبالقرآن مؤنسا ، وبالموت واعظا . وقيل : اتخذ اللّه صاحبا ودع الناس جانبا ، وروى ابن عساكر في تاريخه من غريب المسلسل ما لفظه : أنبأنا أبو الفرج غيث بن علي الخطيب ، أخبرنا أبو بكر الخطيب ، أخبرنا القاضي أبو محمد بن رامين الاستراباذى ،