[ نبذة من الكلام علي سيدنا حاتم الأصم ، وما ورد عنه من أنه طلب من هذا الخلق خمسة أشياء فلم يجدها ]
فالخلق إذا يشغلونك عن العبادة بل يمنعونك منها ، بل يوقعونك في الشّرّ والهلاك على ما قال حاتم الأصمّ رحمه اللّه : طلبت من هذا الخلق خمسة أشياء فلم أجدها : طلبت منهم الطّاعة والزّهادة فلم يفعلوا ، فقلت أعينوني عليهما إن لم تفعلوا فلم يفعلوا ، فقلت ارضوا عنّى إن فعلت فلم يفعلوا ، فقلت لا تمنعوني عنهما إذا فمنعونى ، فقلت لا تدعوني إلى ما لا يرضى اللّه العظيم ولا تعادونى عليه إن لم أتابعكم
شرح
ابن دينار : من لم يأنس بمحادثة اللّه عز وجل عن محادثة المخلوقين فقد قل علمه وعمى قلبه وضيع عمره . وقال ابن المبارك : ما أحسن حال من انقطع إلى اللّه عز وجل ! قال الزبيدي في معناه أي اعتزل عن الخلطة وحبب إليه الانقطاع إلى اللّه بالخلوة ، وتفرغ الفكر لعبادته ، وقيل لبعض الرهبان من الاسلاميين إذ رآه منتبذا عن الناس ما أصبرك على الوحدة ! فقال ما أنا وحدى أنا جليس اللّه تعالى إذا شئت أن يناجينى قرأت كتابه ، وإذا شئت أن أناجيه صليت . وقيل لبعض الحكماء أي شئ أفضى بهم الزهد عن الدنيا والخلوة عن الناس أو الاعتزال عنهم ، فقال إلا الأنس باللّه عز وجل . قال الزبيدي أشار بذلك إلى ثمرتهما ؛ وقيل لبعضهم ما الذي أرادوا بالخلوة واختيار العزلة ، فقال ليستدعوا : أي ليستجلوا بذلك دوام الفكرة وتثبيت العلوم الإلهية التي وهبوها فضلا في قلوبهم ليحيوا حياة طيبة في الدارين ويذوقوا حلاوة المعرفة باللّه ( فالخلق إذا ) أي حين إذ كان الأمر على الأقوال المذكورات ( يشغلونك عن العبادة بل يمنعونك منها بل يوقعونك في الشر والهلاك ) لأن أكثرهم لا يعلمون حقيقة العبودية ، بل يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا ، وهم عن الآخرة هم غافلون ولا يتدبرونها وذلك ( على ما قال ) أبو عبد الرحمن ( حاتم ) بن علوان ( الأصم رحمه اللّه ) ويقال حاتم بن يوسف من أكابر مشايخ خراسان وكان تلميذ شقيق وأستاذ أحمد بن خضرويه ، مات سنة سبع وثلاثين ومائتين . قيل لم يكن أصم ، وإنما تصم مرة فسمى به .
قال أبو القاسم القشيري في الرسالة : سمعت الأستاذ أبا على الدقاق رحمه اللّه يقول : جاءت امرأة فسألت حاتما عن مسئلة اتفق أنه خرج منها في تلك الحالة صوت فخجلت فقال حاتم ارفعى صوتك فأرى من نفسه أنه أصم فسرت المرأة بذلك وقالت : إنه لم يسمع الصوت ، فغلب عليه اسم الصمم رحمة اللّه عليه ( طلبت من هذا الخلق خمسة أشياء فلم أجدها ) أصلا : أحدها ( طلبت منهم الطاعة والزهادة ) في الدنيا ( فلم يفعلوا ) . وثانيها ( فقلت ) لهم ( أعينوني عليهما إن لم تفعلوا ) ذلك .
( فلم يفعلوا ) الإعانة على ما ذكر . وثالثها ( فقلت : ارضوا عنى إن فعلت ) هما ( فلم يفعلوا ) الإرضاء بل سخطوا على من فعلها . ورابعها ( فقلت لا تمنعوني عنهما إذا ) أي حين فعلت ذلك ( فمنعوني ) من فعلها . وخامسها ( فقلت لا تدعوني إلى ما لا يرضي اللّه العظيم ولا تعادونى ) أي لا تنتجوا العداوة لي ( عليه ) أي مطلوبكم من ارتكاب ما لا يرضاه تعالى ( إن لم أتابعكم ) على ذلك المطلوب