تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
شرح
وأن تتحرج عن الكلام فيما لا يعنيك كما تتحرج من الحرام ، وأن تتحرج من كثرة الأكل كما تتحرج من الميتة التي قد اشتد نتنها ، وأن تتحرج من حطام الدنيا وزينتها كما تتحرج من النار ، وأن تقصر أملك من الدنيا فهذا هو الزهد في الدنيا » فهذه الأخبار الثلاثة جامعة لحقائق الزهد وذكر العلامة الزبيدي : أن الزهد في الدنيا على ثلاثة أحوال : رجل قد غلبها موجودة ومفقودة ورجل قد غلبته موجودة ومفقودة ورجل قد غلبها مفقودة وغلبته موجودة ، تفسيره : أن من الناس من قهر هواه وملك نفسه وشهوته وهو قادر عليها وهي موجودة له فذلك أحرى أن يغلب نفسه فيما فقد من الدنيا وغاب عنه وهذا مقام الصديقين . والثاني قد غلبته نفسه وأهواه الهوى وأمالته الشهوات موجودة إذا قدر عليها ومفقودة له بالاهتمام بها والفكر والخواطر فيها والإرادة لها فهذا ساقط لاقط لا مقام ولا وصف ، وهذا حال الجاهلين ونعت الغافلين . والثالث قد غلبته نفسه في الموجود من الهوى والحاضر من الشهوة فإذا غاب ذلك عنه غلبها في العدم وملكها عند الفقد وهذا حال المجاهدين وطريق السائرين ونعت المريدين . وقيل ليحيى بن معاذ : أيصل العبد إلى درجة يسلم فيها من الذنب ومن الزهد إلى درجة يستغنى فيها عن الدنيا ، فقال : هذا لا يكون لا يستغنى عن الدنيا أحد وإنما وقع التفاضل بين الناس على القليل والكثير ، فأزهدهم فيها أقلهم حظا منها ، كما لا يسلم من الدنيا أحد ولكن أفضلهم أقلهم ذنبا . وكان رحمه اللّه يقول في العدل قولا فصلا قال إن زهادكم يأمرونكم بأن يكون الدرهم أول شئ تتركونه من الدنيا وأنا آمركم أن يكون الدرهم آخر شئ تتركونه منها . قيل له لم ذلك ؟ قال لأن الدرهم معلق على شهوة النفس والشهوة معلقة على النفس فترك الدرهم من قبل إزالة الشهوة عن النفس بالسياسة خطأ ودخول في الطمع لمن عنده الدرهم ووقوع البلاء حتى إذا زالت بحسن السياسة هذه الشهوة عن نفسك ذهب عنك حب الدرهم شئت أم أبيت ضرورة إذ كانت علة حبك له الشهوة والشهوة قد ذهبت وبالدرهم يتم أمر هذه السياسة فلهذا قلت : اجعل الدرهم آخر شى تتركه بعد الفراغ من النفس . واعلم أن إمساك الدرهم على هذا التدبير لا يكون علاقة ولكنه يكون سياسة يصلح به . وكان يقول : راحة الأبدان في زهد القلوب ومشقة الأبدان في حرص القلوب . وقال طلبت الدنيا فلم أسترح وطلبت العلوّ فلم أسترح وطلبت العبادة والعلم فلم أسترح ودخلت في الزهد واستوطنت الثقة باللّه فاسترحت ، وكان يقول : ما دامت شهوة النفس معك فأنت مطية الدنيا وتساق المطية حيث يريد صاحبها لا حيث تريد هي ، وإذا ذهبت الشهوة فالدنيا مطيته يسوقها حيث يريد . وقال بعض أهل المعرفة : إن اللّه لا يرضى ممن عرفه أن يعلق بشئ دونه فإن فعل ذلك غمه اللّه ولوعه من ذلك حتى يرجع إليه . ويقال : إن من صح زهده في الدنيا حتى يستوى عنده ذهبها وحجرها مشي على الماء وفيه قال الشاعر :لو كان زهدك في الدنيا كزهدك في * وصلى مشيت بلا شك علي الماءوقال يحيى بن معاذ : أولياء الآخرة ثلاثة : قانع ، وزاهد ، وصديق ، فالقانع المحترف الطالب للحلال المنفق على السبيل والسنة النازل عن جناح الرغبة في طلب الفضول من حطام الدنيا ،