تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 214

مساهمون:

ص٢١٤
وذلك لأمرين : أحدهما أنّهم يشغلونك عن عبادة اللّه عزّ وجلّ على ما حكى عن بعضهم أنّه قال : مررت بجماعة يترامون ، وواحد جالس بعيدا منهم فأردت أن أكلّمه فقال : ذكر اللّه أشهى إلىّ من كلامك ، فقلت أنت وحدك ؟ فقال معي ربّى وملكاى فقلت : من سبق من هؤلاء ؟ فقال : من غفر اللّه له ، فقلت : أين الطّريق ؟ فأشار بيده نحو السّماء ، وقام وتركني وقال : أكثر خلقك عنك شاغل ،
شرح
من تفضيل العزلة لفساد الزمان والإخوان وإليه أشار المصنف بقوله ( وذلك ) أي مطلوبية الانفراد عن الخلق ( لأمرين أحدهما أنهم ) أي أكثر الخلق ( يشغلونك عن عبادة اللّه عز وجل ) وذلك بإدخال الهموم عليك ونحوه ( علي ما حكي عن بعضهم ) أي بعض العلماء ( أنه قال مررت بجماعة يترامون ) بالسهام ويتسابقون فيها ( وواحد ) منهم ( جالس ) حال كونه ( بعيدا منهم فأردت أن أكلمه فقال ) الجالس ( ذكر اللّه أشهى ) أي أشد شهوة وحبا ( إلى من كلامك ، فقلت : أنت وحدك ) أي منفردا بنفسك ( فقال ) ما أنا وحدى ، بل ( معي ربي وملكاى ) أي ملك اليمن والشمال ( فقلت : من سبق من هؤلاء ) الذين يترامون ( فقال ) هم ( من غفر اللّه له ، فقلت أين الطريق فأشار ) ذلك الجالس ( بيده نحو السماء ) لأنها قبلة الداعي ( وقام ) من مجلسه ( وتركني وقال ) أي دعا يا ربي ( أكثر خلقك عنك شاغل ) فهذا كلام مستغرق بمشاهدة اللّه تعالي لا يتكلم إلا منه ولا يسمع إلا فيه ، فهذا لا يحتاج إلى مراقبة لسانه وجوارحه فإنها لا تتحرك إلا بما هو فيه . وقيل لغزوان الرقاشي هبك لا تضحك فما يمنعك من مجالسة إخوانك ، . قال : إني أصبت راحة قلبي في مجالسة من عنده حاجتي . وقيل للحسن البصري ههنا : أي في مسجد البصرة رجل لم نره جالسا قط إلا وحده خلف سارية من سواري المسجد : فقال الحسن إذا رأيتموه فأخبروني به فنظروا إليه ذات يوم فقالوا للحسن هذا الرجل الذي أخبرناك به وأشاروا إليه ، فمضى إليه الحسن وقال له يا عبد اللّه أراك قد حببت إليك العزلة والانفراد فما الذي يمنعك من مجالسة الناس ؟ فقال أمر شغلني عن الناس ، قال فما يمنعك أن تأتى هذا الرجل الذي يقال له الحسن يعنى نفسه فتجلس إليه فتستفيد منه ؟ فقال أمر شغلني عن الناس وعن الحسن ، فقال له الحسن وما ذاك الشغل يرحمك اللّه ؟ قال إني أصبح وأمسى بين نعمة وذنب فرأيت أن أشغل نفسي بشكر اللّه على النعمة والاستغفار من الذنب ، قال له الحسن : آنت يا عبد اللّه أفقه عندي من الحسن فالزم ما أنت عليه . وقال الفضيل رحمه اللّه : إذا رأيت الليل مقبلا فرحت به وقلت أخلو بربى : أي لقلة مخالطة الناس عامة ، وإذا رأيت الصبح قد انفجر وأدركني استرجعت : أي قلت إنا للّه وإنا إليه راجعون ، وهي كلمة تقال عند حلول المصيبة كراهية لقاء الناس ، وأن يجيئني من يشغلني عن ربي ، أخرجه أبو نعيم في الحلية . وقال ذو النون المصري قدس سره : سرور المؤمن ولذته في الخلوة بمناجاة ربه . وقال مالك