[ ما ورد في التفرد عن الخلق والعزلة وحكاية عن بعض الصالحين مناسبة لذلك ]
( العائق الثّانى : الخلق ) ثمّ عليك وفّقك اللّه وإيّانا لطاعته بالتّفرّد عن الخلق
شرح
والزاهد التارك للطلب ومعه شهوته ، فإن أصاب نعيم الدنيا من غير كلفة أكل ونكح ، وإن مع صبر ورضى ، والصديق هو واحد النعيم لا يريده لمزايلة الشهوة إياه . وقال أيضا : ليس بزاهد من استخدم غيره بما يصل هو إلى فعله ، وقد قال أبو سليمان لأحمد بن أبي الحوارى إذ قال : قلت لبعض أصحابنا اسقني ماء فناولني شربة فقال لي أبو سليمان : رأيت من زهد في الدنيا يستخدم ويقول اسقني ماء . وكان يحيى بن معاذ يدخل العلم والعبادة في الزهد يجعل الثلاثة كالشىء الواحد لا يتم بعضه إلا ببعض ، فقال الزهد والعبادة والعلم مثل الثوب سداه الزهد ولحمته العبادة ونساجه العلم لا يلتحم الثوب بغير هذه الثلاث ، كذا لا يلتحم أمر الآخرة إلا بثلاثتها . وكان يحيى بن معاذ يقول : إذا وصل فرح فإذا اتصل استأنس ، فقيل له نراك بين الوصول والاتصال فتجعل الاتصال أعلى وأقرب ، فقال أضرب لكم مثل رجل سار طريقا وقصد ملكا كريما ثم وصل إليه حتى إذا قدم عليه فقد وصل ثم يتصل بمنادمة الملك شيئا بعد شئ يتقرب إليه ويقرب منه حتى يدنيه الملك ويؤنسه ؛ فالسير والتعب لقطع المنازل والفرح في الوصول والأنس في الاتصال والاتصال كان مقام أبى يزيد والوصول كان مقام يحيى بن معاذ رحمه اللّه عليهما . وقال أبو يزيد البسطامي : حقيقة الزهد لا يكون إلا عند ظهور القدرة والعاجز لا يصح زهده وهو أن يعطيه كن ويطلعه على الاسم ويقدره على الأشياء بإظهار الكون فيزهد في ذلك حبا للّه تعالي أن يعمل عمله ويتركه حبا للّه تعالى أن يقوم مقام القدرة وكشف هذا المقام يخرج إلى علم غريب لا يعرف وسر عجيب لا يوصف وفقنا اللّه وإياكم لما يحب ، وبلغنا ما نؤمل منه بفضله ورحمته . قال المصنف رحمه اللّه تعالى .
( العائق الثاني ) من العوائق الأربعة التي تمنع عن العبادة ( الخلق . ثم عليك ) أي الزم ( وفقك اللّه وإيانا لطاعته ) تعالى ( بالتفرد عن الخلق ) أي طلب الانفراد والعزلة والخلوة عنهم ، فالخلوة أعلى مقاما من العزلة ، ومنهم قال : الخلوة تكون من الأغيار والعزلة تكون من النفس وما تدعو إليه ويشغل عن اللّه ؛ فالخلوة كثيرة والعزلة قليلة ، وإليه جنح صاحب العوارف ، والمعروف الأول ، فقد كان صلى اللّه عليه وسلم أتم مقاما وأحسن حالا فقد حبب إليه الخلاء . وقال النووي : اختلف العلماء في العزلة والاختلاط أيهما أفضل ؛ فمذهب الشافعي والأكثرين تفضيل الخلطة لما فيها من إكساب الفوائد وشهود شعائر الإسلام وتكثير سواد المسلمين وإيصال الخير إليهم ، والتعاون على البر والتقوى وإغاثة المحتاج ، فإن كان صاحب علم أو زهد تأكد فضل اختلاطه ، وذهب آخرون إلى تفضيل العزلة لما فيها من السلامة المحققة لكن بشرط أن يكون عارفا بوظائف العبادة التي تلزمه وقال الكرماني في شرح البخاري : المختار في عصرنا تفضيل الاعتزال لندور خلو المحافل من المعاصي . وقال البدر العيني ، أنا موافق له فيما قال ، فإن الاختلاط مع الناس في هذا الزمان لا يجلب إلا الشرور . وقال أبو البقاء الأحمدي : أنا أقول بأفضلية العزلة لبعدها عن الرياء في العمل وخلو الخاطر وشهود سر الوحدانية في الأزل . قال العلامة الزبيدي : وأنا موافق لما قالوا