تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١

[ بقية عن الكلام على الزهد في الدنيا والأحاديث الواردة في ذلك ]

يسيّبه لك من حيث لا تحتسب من غير طلب منك وكسب كما قال اللّه تعالى :
« وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ »
فإذا لا تحتاج بحال إلى طلب وإرادة ، فإن لم تقو على ذلك الزّهد وطلبت وأردت فانو بذلك العدّة والتّقوّى على عبادة اللّه سبحانه وتعالى ، دون الشهوة واللّذّة ، فإنّك إذا نويت ذلك كان الطّلب والإرادة منك خيرا وطلبا للآخرة بالحقيقة لا للدّنيا ولا يقدح في زهدك وتجرّدك ، فاعلم هذه الجملة راشدا ، وباللّه التّوفيق .
شرح
أي غير الطلب والكسب ( يسيبه ) بضمّ الياء الأولى مع فتح السين وكسر الياء الثانية المشدّدة أي يعطيه اللّه ( لك من حيث لا تحتسب من غير طلب منك وكسب كما قال اللّه تعالى :وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ *) أي بامتثال الأوامر واجتناب النواهي ( يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ، فإذا ) أي إن كان المقصود القوام والقوّة للبنية لا الأكل والشراب ( لا تحتاج بحال إلى طلب وإرادة ) للقدر المذكور من الدنيا ( فإن لم تقو على ذلك الزهد ) لضعفك ( وطلبت وأردت فانو بذلك ) أي الطلب والإرادة ( العدّة ) بضم العين : أي الاستعداد والتأهب ( والتقوّى ) أي طلب القوّة ( على عبادة اللّه سبحانه وتعالى دون ) قصد ( الشهوة واللذة فإنك إذا نويت ذلك ) أي الاستعداد والتقوى على العبادة ( كان الطلب والإرادة منك خيرا وطلبا للآخرة بالحقيقة ) لأن ما لا يتوصل إلى الشئ إلا به فهو منه ( لا للدنيا ولا يقدح ) أي لا يعيب ولا ينقص هذا الطلب ( في زهدك وتجردك ) للعبادة . وإن قلت فلا بد وأن أتلذذ بالأكل عند الجوع فاعلم أن ذلك لا يضرك إذا لم يكن قصدك التلذذ ، فإن شارب الماء البارد قد يستلذ الشرب ويرجع حاصله إلى زوال ألم العطش ، ومن يقض حاجته فقد يستريح بذلك ولكن لا يكون ذلك مقصودا عنده ومطلوبا بالقصد فلا يكون القلب منصرفا إليه كما قاله المصنف في غير هذا الكتاب ( فاعلم هذه الجملة ) التي ذكرناها ( راشدا ) أي إصابة للصواب ( وباللّه التوفيق ) والعصمة . [ تتمة ] قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « الزهادة في الدنيا ليست بتحريم الحلال ولا بإضاعة المال ولكن الزهادة في الدنيا أن لا تكون بما في يديك أوثق بما في يد اللّه وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أنت أصبت بها أرغب فيها أو أنها أبقيت لك » رواه الترمذي وقال غريب ضعيف من حديث أبي ذر . ورواه البيهقي في الزهد كذلك ، ورواه أبو نعيم في الحلية من حديث أبي الدرداء . وروى الديلمي من حديث ابن عباس « الزهد في زماني هذا في الدنانير والدراهم وليأتين زمان الزهد في الناس أنفع لهم من الزهد في الدنانير والدراهم » . وروى أيضا من حديث أبي هريرة « الزهد أن تحب ما يحب خالقك ، وأن تبغض ما يبغض خالقك وأن تتحرج من حلال الدنيا كما تتحرج من حرامها فإن حلالها حساب وحرامها عذاب وأن ترحم جميع المسلمين كما ترحم لنفسك