والتّوفيق بفضله .
فإن قيل : فلا بدّ من قدر من الدّنيا ليكون قواما لنا ، فكيف نزهد فيها ؟ فاعلم أنّ الزّهد في الفضول ممّا لا يحتاج إليه في قوام البنية فالمقصود القوام والقوّة حتّى تعبد اللّه سبحانه لا الأكل والشّرب والتّلذّذ ، واللّه تعالى إن شاء أقامها بشئ وسبب وإن شاء تعالى أقامها بغير سبب كالملائكة عليهم السّلام ، ثمّ إن كان بشئ إن شاء فبشىء حاصل عندك أو بطلبك وكسبك ، وإن شاء بشئ غيره
شرح
مستقيم » أي لتدل إليه . وقال تعالى« إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ » :أي لا توصله إنما لك الدلالة ، وقس على ذلك ما يمرّ عليك من معنى الهداية ، كذا ذكره بعض المحققين ( والتوفيق ) وهو خلق قدرة الطاعة في العبد مع فعل الطاعة ، لأنها عند الأشعري العرض المقارن للفعل ( بفضله ) أي ما تفضل به على عباده من إسداء غاية الإحسان إليهم . ( فإن قيل : فلا بد لنا من قدر ) أي قدر ما يقوّت ( من الدنيا ليكون ) هذا القدر ( قواما ) وقوّة ( لنا ) . قال في المختار : قوام الأمر ملاكه الذي يقوم به ( فكيف نزهد فيها فاعلم أن الزهد في الفضول ) أي يجب في الفضول كما في نسخة ، وهو ما زاد على الحاجة كالخيل المسوّمة ، إذ غالب الناس إنما يقتنيها للترفه بركوبها ، وهو قادر على رجليه أو على خيل أقلّ منها ، وأصناف الفضول لا تنحصر لكثرتها ، وأجمله المصنف بقوله ( مما لا يحتاج إليه في قوام البنية ، فالمقصود القوام والقوّة حتى تعبد اللّه سبحانه لا الأكل والشرب والتلذّذ ) والتنعم بأنواع المشتهيات ، فإن ذلك شأن السفلة الجاهلين ( واللّه تعالى إن شاء أقامها ) أي البنية ( بشئ وسبب ) كالأكل والشرب ( وإن شاء تعالى أقامها بغير سبب ) من المأكولات والمشروبات ، بل بالتسبيح وغيره ( كالملائكة عليهم ) الصلاة و ( السّلام ) جمع ملك ، وهو جسم لطيف نورانىّ يظهر في صور مختلفة ، ويقدر علي أفعال شاقة لا يقدر عليها البشر ، وهذا على مذهب من ينفى المجرّد ، ويحصر الممكن في الجوهر والعرض ، وهو رأى أكثر الأشاعرة ؛ وأما من أثبته وهم بعض الأشاعرة : كالغزالى والراغب والحليمي ، وهو قول جميع المحققين من الصوفية ، ويعنون به ممكنا ليس بمتحيز ولا قائم بمتحيز فالملك عندهم مجرّد مخصوص بظهور الخير ودوام الذكر . وتوقف المقترح والفخر في بعض كتبه في إثبات المجرّد ، وعلي كلّ حال فالملائكة عند الجميع عباد مكرمون مواظبون علي الطاعات لا يعصون اللّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، وأل في الملائكة للجنس أو للعهد في قوله تعالى« إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ »أو عوض من الضمير : أي ملائكته ليطابق الآية ، كذا ذكره العلامة المهدى بن أحمد الفاسي في شرح الدلائل ( ثم إن كان ) تعالى أقامها ( بشئ إن شاء ) ذلك ( فبشىء ) أي فإما أقامها وقوّاها بشئ ( حاصل عندك ) من غير طلب وكسب ( أو ) إما ( بطلبك وكسبك ، وإن شاء بشئ غيره )