[ الكلام على الهداية ]
مغترّ بظاهره حريص عليه مكبّ معجب محبّ فهذا مثل حلال الدّنيا مع الفريقين :
أهل البصيرة والاستقامة ، وأهل الرّغبة والغفلة ، وإنّما اختلف حال الرّجلين مع تساويهما في الطّبع والبنية لبصارة وعلم كان لأحدهما ، وجهل وجفاء كان للآخر ، فلو علم الرّاغب وأبصر ما علمه الزّاهد لكان زاهدا مثله ، ولو جهل الزّاهد وعمى عمّا عمى عنه الرّاغب لكان راغبا مثله ، فعلمت بذلك أنّ هذا التّمييز لمكان البصائر دون الطّبائع ، وهذا أصل مفيد وكلام بيّن سديد اعترف به من عقل وأنصف ، واللّه تعالى ولىّ الهداية
شرح
من البصاق والمخاط ( مغتر بظاهره حريص عليه مكب ) أي مقبل ( معجب محب ، فهذا ) أي المذكور من التمثيل الثاني ( مثل حلال الدنيا مع الفريقين ) : الأول أهل البصيرة والاستقامة .
( و ) الثاني ( أهل الرغبة ) في الدنيا ( والغفلة ) عن عاقبة أمرها ( وإنما اختلف حال الرجلين ) أي أهل البصيرة وأهل الرغبة ( مع تساويهما في الطبع والبنية ) بكسر الباء : أي الخلقة ( لبصارة وعلم كان ) كل منهما ( لأحدهما ) أي الرجلين وهو أهل البصيرة والاستقامة ( وجهل وجفاء ) أي غلظة وفظاظة ( كان للآخر ) وهو أهل الرغبة والغفلة ( فلو علم الراغب وأبصر ) في الدنيا مثل ( ما علمه الزاهد ) من آفاتها التي لا تحصي ( لكان ) الراغب ( زاهدا مثله ، ولو جهل الزاهد وعمى عما عمى عنه الراغب ) من الآفات ( لكان ) الزاهد الجاهل ( راغبا مثله ، فعلمت بذلك ) أي بسبب اختلافهما المذكور وهو العلم والجهل ( أن هذا التمييز ) بين حالهما ( لمكان البصائر دون الطبائع ، وهذا ) المذكور من المثال ( أصل مفيد وكلام سديد ) أي صواب ( اعترف ) أي أقرّ ( به ) أي بهذا الأصل ( من عقل ) وتأمل بالفكر الصافي ( وأنصف ) أي نظر بعين الإنصاف ( واللّه تعالى ولىّ الهداية ) أي متولى الدلالة للعباد على سلوك سبيل الهدى ، فإن الهدى هدى اللّه فهو مخصوص به تعالى . قال الجمل نقلا عن البيضاوي : الهداية دلالة بلطف ، ولذلك تستعمل في الخير ، وهداية اللّه تعالى أنواع لا يحصيها عد ، لكنها تنحصر في أجناس مترتبة : الأول إفاضة القوى التي بها يتمكن المرء من الاهتداء إلى مصالحه كالقوة العقلية : أي العاقلة والحواسّ الباطنة والشاعر الظاهرة . والثاني نصب الدلائل الفارقة بين الحقّ والباطل والصلاح والفساد . والثالث الهداية بإرسال الرسل ، وإنزال الكتب . والرابع أن يكشف لقلوبهم السرائر ، ويريهم الأشياء كما هي بالوحي والإلهام والمنامات الصادقة ، وهذا القسم نختص بنيله الأنبياء والأولياء انتهى . قال العلامة الكردي ، وقد يستعمل الهدى في حقّ الباري بمعنى الدلالة . قال تعالى« وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ » :أي دللناهم « فاستحبوا العمى على الهدى » . ولو أوصلهم لم يستحبوا العمى على الهدى ؛ والهداية في حقّ اللّه تعالى بمعنى الدلالة . قال تعالى« وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ »