تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨
فيه من السّمّ يكون زاهدا في ذلك الخبيص لا يخطر بباله أن يتناول منه بحال ألبتّة ويكون ذلك عنده بمنزلة النّار بل أصعب لمكان ما يعلم من آفاته فلا يغترّ بظاهره وزينته وأمّا الرّجل الآخر الّذى لم يبصر ما جعل فيه ، اغترّ بظاهره المزخرف وحرص عليه ولم يصبر عنه وأخذ يتعجّب من صاحبه الزّاهد فيه وربّما يسفه في ذلك فهذا مثل حرام الدّنيا مع البصراء المستقيمين والجهّال الرّاغبين فإن لم يطرح فيه السّمّ ولكن بصق فيه أو امتخط ثمّ ضمّخه وزيّنه ، فالرّجل الّذى شاهد منه ذلك الفعل يكون مستقذرا لذلك الخبيص نافرا عنه لا يكاد يقدم عليه إلّا عند الضّرورة وشدّة الحاجة إليه ، والّذى لم يشاهد ذلك فهو جاهل بما فيه ،
شرح
أي ما جعله الانسان ( فيه ) أي الخبيص ( من السم ) القاتل ( يكون زاهدا ) أي مجتنبا ( في ذلك الخبيص ) الموضوع بين يديه ( لا يخطر بباله ) أي بقلبه ( أن يتناول منه بحال ) من الأحوال ( البتة ) أي قطعا ( ويكون ذلك ) الخبيص ( عنده بمنزلة النار بل أصعب ) منها ( لمكان ما يعلم من آفاته ) المهلكات ( فلا يغتر بظاهره ) المزين ( وزينته ، وأما الرجل الآخر الذي لم يبصر ما جعل ) من السم المهلك ( فيه ) أي الخبيص ( اغتر ) أي انخدع ( بظاهره المزخرف ) أي المزين ( وحرص ) بفتح الراء من باب ضرب : أي رغب رغبة مذمومة ( عليه ) أي أكل ذلك الخبيص ( ولم يصبر عنه ) أي عن تناوله ( وأخذ ) أي شرع الآخر ( يتعجب من صاحبه ) الذي أبصر ما فيه ( الزاهد فيه وربما يسفه ) بفتح الفاء من باب تعب : أي يجهل الحارص صاحبه ( في ذلك ) أي زهده في ذلك الخبيص ويقول له : أنت السفيه ، ألا تعرف أن هذا طيب لذيذ ، والحال أنه جاهل مغرور بظاهر الخبيص ولم يعرف باطنه ( فهذا ) المذكور من التمثيل ( مثل حرام الدنيا مع البصراء ) لحقيقتها ( المستقيمين ) في اجتنابها ( والجهال الراغبين ) في الدنيا المنهمكين في تحصيلها الغافلين عن عاقبة أمرها ( فإن لم يطرح ) بالبناء للمفعول : أي لم يجعل ولم يرم ( فيه ) الخبيص ( السم ولكن بصق ) في المختار : البصاق : البزاق ، وقد بصق من باب نصر : أي بصق الصانع لذلك الخبيص ( فيه أو امتخط ) أي أخرج المخاط من أنفه ، والمخاط : ما يسيل من الأنف ( ثم ضمخه ) أي لطخه ( وزينه ) بظاهره ( فالرجل الذي شاهد ) أي أبصر ( منه ) أي من صانع الخبيص ( ذلك الفعل ) وهو البصق أو الامتخاط ( يكون مستقذرا ) أي مستخبثا ( لذلك الخبيص نافرا ) أي متجافيا ومتباعدا ( عنه لا يكاد يقدم عليه ) أي الخبيص ( إلا عند الضرورة وشدة الحاجة إليه و ) أما الرجل ( الذي لم يشاهد ذلك ) الفعل ( فهو جاهل ) أي غير عالم ( بما فيه ) أي في الخبيص