تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 207

مساهمون:

ص٢٠٧
وقذرها في أصلها فتصير عنده كذلك ، وإنّما يتعجّب من هذا الرّاغبون العميان عن عيوب الدّنيا وآفاتها ، المغترّون بظاهرها وزينتها . وسأضرب لك مثلا لذلك ، فاعلم أنّ هذا يمثّل بإنسان صنع خبيصا بشرائطه من السّكّر وغيره ثمّ طرح فيه قطعة سمّ قاتل ، وأبصر ذلك رجل ، ولم يبصره آخر ، ووضع الخبيص بين أيديهما مزيّنا مزخرفا ، فالرّجل الّذى أبصر ما جعل ،
شرح
بنو إسرائيل الأصنام بعد عبادتهم الرحمن بحبهم الدنيا فأوقعتهم في الشرك ، والأدلة في ذم الدنيا وآفاتها لا تحصى ، وفيما ذكرناه كفاية لأولى الألباب ( وقذرها ) أي وعلم الموفق قذر الدنيا وخبثها ( في أصلها فتصير عنده كذلك ) أي بمنزلة النار والجيفة ( وإنما يتعجب من هذا ) أي من أن تكون بمنزلة النار أو بمنزلة الجيفة ( الراغبون ) أي المقبلون على الدنيا والمتوجهون إليها ( العميان ) جمع الأعمى ، والمراد عمى القلوب ( عن عيوب الدنيا وآفاتها المغترون ) أي المخدوعون ( بظاهرها وزينتها ) لأن أوائلها تبدو هينة لينة يظن الخائض فيها أن حلاوة خفضها كحلاوة الخوض فيها ، وهيهات فإن الخوض في الدنيا سهل والخروج منها مع السلامة شديد ، وبهذا يتبين أن الدنيا مزينة الظواهر قبيحة السرائر وهي شبه عجوز متزينة تخدع الناس بظاهرها فإذا وقفوا على باطنها وكشفوا القناع عن وجهها تمثل لهم قبائحها فندموا على اتباعها وخجلوا من ضعف عقولهم في الاغترار بظاهرها . قال أبو نصر العلاء بن زياد العدوي : رأيت في النوم عجوزا كبيرة السن يابسة الجلد عليها من كل زينة الدنيا من الملابس الفاخرة والحلى والناس عكوف عليها قائمون لديها متعجبون ينظرون إليها ، ونظرت وتعجبت من نظرهم إليها وإقبالهم عليها ، وقلت لها : ويلك من أنت ؟ قالت : أما تعرفني ؟ فقلت لا أدرى من أنت . قالت : إني أنا الدنيا ، فقلت : أعوذ باللّه من شرك ، قالت : فإن أحببت أن تعاذ من شرى فابغض الدرهم . وقال أبو بكر بن عياش : رأيت الدنيا في النوم عجوزا مشوهة شمطاء تصفق بيديها ، وخلفها خلق يتبعونها يصفقون ويرقصون ، فلما كانت بحذائى أقبلت على ، فقالت : لو ظفرت بك لصنعت بك مثل ما صنعت بهؤلاء ، ثم بكى أبو بكر وقال رأيت هذا قبل أن أقدم إلى بغداد . قال المزي : وهو من مشهوري مشايخ الكوفة ومن قرائهم وقد دخل بغداد ونشر بها العلم وروى عنه أكابر الشيوخ ، مات سنة 233 عن ست وسبعين سنة ( وسأضرب ) أي سأبين ( لك مثلا لذلك ) أي لصيرورة الدنيا بمنزلة النار أو الجيفة ( فاعلم أن هذا ) المذكور من الصيروة ( يمثل بإنسان صنع خبيصا ) هو نوع من الحلاوات تعمله العرب من التمر والسمن والخضر من الأرز والدبس وهو مأخوذ من الخبص بمعنى الخلط ( بشرائطه من السكر وغيره ) كالتمر ( ثم طرح ) ذلك الإنسان ( فيه ) أي في الخبيص ( قطعة سم قاتل وأبصر ذلك ) أي السم ( رجل ولم يبصره ) رجل ( آخر ووضع ) الإنسان ( الخبيص بين أيديهما ) أي الرجلين ( مزينا مزخرفا ) هما بمعنى واحد كما في المختار ( فالرجل الذي أبصر ما جعل ) بالبناء للمفعول