تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦

[ اعلم أن من وفق التوفيق الخاص وعلم آفات الدنيا فإنها تكون عنده بمنزلة الجيفة المستقذرة وإنما يتعجب من هذا العميان عن عيوب الدنيا وآفاتها ]

والحرام عندهم بمنزلة النّار لا يخطر ببالهم قصد تناولها بحال ، وهذا معنى البرودة على القلب بأن يقطع همّته عنها ويستقذرها ويستنكرها جدّا فلا يبقى لها في قلبه اختيار ولا إرادة . فإن قلت : كيف يمكن أن تصير الدّنيا في شهواتها ولذّاتها العجيبة المطلوبة عند الإنسان بمنزلة النّار أو بمنزلة الجيفة المستقذرة المستحيلة ، والبنية بنيتنا والطّبع طبعنا ؟ فاعلم : أنّ من وفّق التّوفيق الخاصّ وعلم آفاتها
شرح
إلا الشئ القليل بقدر الضرورة لأن أن يكون لك أسوة بالأنبياء خيرة اللّه من خلقه ( والحرام عندهم ) أي هؤلاء الأبدال ( بمنزلة النار لا يخطر ببالهم ) أي بقلبهم ( قصد تناولها بحال ) من الأحوال يعنى عند الضرورة أو غير الضرورة ( وهذا ) أي عدم الخطر على قصد تناولها ( معنى البرودة على القلب ) وذلك ( بأن يقطع ) أي العبد ( همته عنها ) أي عن الدنيا ( ويستقذرها ويستنكرها جدا ) بالكسر : أي غاية ومبالغة ( فلا يبقى لها في قلبه اختيار ولا إرادة ) ولا التفات إليها أصلا بل وجودها كعدمها ( فإن قلت : كيف يمكن أن تصير الدنيا في شهواتها ) الحبيبة ( ولذاتها العجيبة المطلوبة عند الإنسان ) الغافل عن عاقبة أمره ( بمنزلة النار ) خبر تصير ( أو بمنزلة الجيفة المستقذرة المستحيلة ) أي المتغيرة ( والبنية ) أي الخلقة ( بنيتنا ) والحال أنها ضعيفة ( والطبع طبعنا ) وهو شديد الحرص على الدنيا ( فاعلم أن من وفق التوفيق الخاص وعلم ) علما يقينيا ( آفاتها ) أي الدنيا وهي كثيرة : منها أن الدنيا تمنع إخلاص العبادة ، وأنها لا يفي مرجوها بمخوفها ، وللّه در القائل :وليس يفي مرجوها بمخوفها * ومكروهها إما تأملت راجحومنها أن الدنيا غدارة خداعة قد تزخرفت للناس بغرورها وفتنتهم بأمانيها وتزينت لخطابها ، فأصبحت كالعروس المجلية عند إهدائها لزوجها : العيون إليها ناظرة ، والقلوب عليها عاكفة ، والنفوس لها عاشقة ، فكم من عاشق لها قتلت ، ومطمئن إليها خذلت ، فانظروا إليها بعين الحقيقة فإنها دار كثرت بوائقها وذمها خالقها ، فهو أعرف بها منا ، جديدها يبلى ، وملكها يفنى وعزيزها يذل ، وكثيرها يقل ، وحيها يموت ، وخيرها يفوت . وقال أبو نعيم في الحلية : حدثنا أبو حامد بن جبلة حدثنا محمد بن إسحاق وحدثنا محمد بن الصباح حدثنا سفيان قال : قال أبو حازم اشتدت مؤنة الدنيا والدين ، قالوا يا أبا حازم : هذا الدين فكيف الدنيا ؟ قال لأنك لا تمد يديك إلى شئ إلا وجدت فاجرا قد سبقك إليه . قال حجة الإسلام : فأما مؤنة الآخرة فإنك لا تجد عليها أعوانا ، وقال سعد بن مسعود : إذا رأيت العبد تزداد دنياه وتنقص آخرته وهو به راض فذلك المغبون الذي يلعب بوجهه وهو لا يشعر . وقال الحسن البصري رحمه اللّه : واللّه لقد عبدت