ثمّ منزلة هذا الحرام لمستقيمى الطّاعات بمنزلة الميتة المستقذرة لا يقدم عليها إلّا عند الضّرورة بمقدار دفع الضّرر . وأمّا الزّهد في الحلال فإنّما يكون في منزلة الأبدال يكون عندهم الحلال بمنزلة الميتة لا يتناولون منها إلّا قدرا لا بدّ منه ،
شرح
هو الزهد المفضل يرجع ذلك إلى حظوظ جوارحه التي هي أبواب الدنيا منه وطرقها إليه فالزهد في محرماتها زهد المسلمين به يحسن إسلامهم : والزهد في شبهاتها زهد الورعين به يكمل إيمانهم والزهد في حلالها من فضل حاجات النفس زهد الزاهدين ، به يصفو يقينهم . وفي حديث عمرو ابن ميمون عن الزبير أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال « يا زبير اجهد نفسك عند نزول الشهوات والشبهات بالورع الصادق ، وعن محارم اللّه وادخل الجنة بغير حساب » . وقال سلام بن أبي مطيع الزهد على ثلاثة وجوه : الأول أن يخلص العمل للّه والقول فلا يريد بشئ منه الدنيا ولا ما عند الخلق . والثاني : ترك ما لا يطلح القلب والدين . والثالث : الحلال أن يزهد في فضله وهذا تطوع .
قال القشيري : اختلف الناس في الزهد فمنهم من قال : الزهد في الحرام لأن الحلال مباح من قبل اللّه تعالى فإذا أنعم اللّه على عبد بمال من حلال وتعبده بالشكر عليه فتركه باختياره وبحق لا يقدم على إمساكه بحق إذنه ، ومنهم من قال : الزهد في الحرام واجب وفي الحلال فضيلة ، فإن إقلال المال والعبد صابر في حال راض بما قسم اللّه له قانع بما يعطيه أتم من توسعه وتبسطه في الدنيا .
ومنهم من قال : إذ انفق ماله في الطاعة وعلم من حاله الصبر وترك التعرض لما ينهاه الشرع عنه في حال التيسر فحينئذ يكون زهده في المال الحلال أتم منه في الحرام ، ومنهم من قال ينبغي أن لا يختار ترك الحلال بتكلفه ولا طلب الفضول فيما يحتاج إليه ويراعى القسمة فإن رزقه اللّه مالا من حلال شكره وان وقفه اللّه على حد الكفاف لم يتكلف في طلب ما هو فضول المال ، فالصبر أحسن بصاحب الفقر ، والشكر أليق بصاحب المال . وقال صاحب القوت : وكان الشاميون من العلماء يقولون : أليس الزهادة في الدنيا تحريم المال ولا إضاعة المال ولكن أن يكون ذامك ومادحك سواء ، وتكون حالك في المصيبة وحالك إذا لم تصب بها سواء وتكون بما في يد اللّه أوثق منك بما في يد غيرك ، فهذا مقام التوكل وحال الرضا ( ثم منزلة هذا الحرام لمستقيمى الطاعات بمنزلة الميتة المستقذرة لا يقدم عليها إلا عند ) حال ( الضرورة بمقدار دفع الضرر ) وهو قدر سد الرمق ( وأما الزهد في الحلال فإنما يكون في منزلة الأبدال ) في القاموس : الأبدال : قوم يقيم بهم اللّه عز وجل الأرض ، وهم سبعون ، أربعون بالشام . وثلاثون بغيرها لا يموت أحدهم إلا قام مقامه آخر من سائر الناس . وقال ابن دريد : الواحد بديل ( يكون عندهم الحلال بمنزلة الميتة ) المستقذرة ( لا يتناولون منها إلا قدرا لا بد منه ) وهو قدر الضرورة والحاجة عملا بقوله صلّى اللّه عليه وسلم « الدنيا جنفة قذرة » ولم يأخذوا منها عليهم الرحمة والرضوان إلا شبه زاد المسافر المستعجل وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم « كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل » أي فلا تحصل من الدنيا