[ وصف عيسى عليه السّلام لأولياء اللّه الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون حكم الزهد في الدنيا أهو فرض أم نقل ؟ ]
وزهد فيها العاقلون .
فإن قيل : فما حكم الزّهد في الدّنيا ، أهو فرض أم نفل ؟ فاعلم : أنّ الزّهد يقع عندنا في الحلال والحرام ، فهو في الحرام فرض ، وفي الحلال نفل ،
شرح
لقبحها وخستها فهي من حيث ظاهرها محبوبة حلوة خضرة ، وبالنظر إلى باطنها جيفة قذرة ، فالنفس تنظر إلى زينتها الظاهرة فتغتر بها فتهلك صاحبها والقلب ينظر إلي قبائحها الباطنة فيعتبر بها فيسلم من شرها . وقد روى في الكتب السالفة : أن الحواريين قالوا لعيسى عليه السّلام :
يا روح اللّه صف لنا أولياء اللّه تعالى الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، فقال عليه السّلام : هم الذين بهم نطق الكتاب وبه نطقوا ، وبهم علم الكتاب وبه علموا ، وبهم قام الكتاب وبه قاموا نظروا إلى باطن الدنيا حين نظر الناس إلى ظاهرها ، وعاينوا آجل الدنيا حين عاين الناس عاجلها فأماتوا منها ما خشوا أن يميتهم ، وتركوا منها ما علموا أن سيتركهم فصار ذكرهم فيها قوتا وفرحهم فيها حزنا ، ما عارضهم منها رفضوه وما أشرف لهم بغير الحق وضعوه خلقت الدنيا عندهم فلم يجددوها وخربت فيها بينهم فلم يعمروها ، وماتت في صدورهم فلم يحيوها بعد موتها وبنوا بها آخرتهم :
أحيوا ذكر الموت وأماتوا ذكر الحياة : يحبون اللّه ويحبون ذكره ويستضيئون بنوره ويضيئون به : لهم الخير العجب وعندهم الخير العجيب . وكان بعض الأولياء يقول : ما سطع لي زينة من زخرف الدنيا إلا كشف لي باطنه فظهر لي غرور عنها . قال أبو طالب المكي : فهذه عناية من اللّه تعالى لمن وليه من أوليائه المقربين منه ، فمن شهد الدنيا بأول وصفها لم يغتر بآخره ، ومن عرفها بباطن حقيقتها لم يعجب بظاهرها ، ومن كشف له بعاقبتها لم يستهوه زخرفها . وكان عيسى عليه السّلام يقول : ويلكم علماء السوء مثلكم مثل قناة حش ظاهرها جص وباطنهانتن ، والأدلة في هذا الباب أكثر من أن تحصى ، وفي هذا القدر الذي ذكرناه كفاية لأولى الألباب ( وزهد فيها ) أي الدنيا ( العاقلون ) أي العالمون بباطنها ( فإن قيل فما حكم الزهد في الدنيا أهو فرض أم نفل ؟
فاعلم أن الزهد يقع عندنا في الحلال والحرام فهو في الحرام فرض ، وفي الحلال نفل ) وزاد إبراهيم ابن أدهم : السلامة وهو الزهد في الشبهات إذ قيل لمالك بن أنس : ما الزهد ؟ قال التقوى . قال العلامة الزبيدي : فأصل التقوى اتقاء الشرك ، ثم بعده اتقاء المعاصي والسيئات ، ثم بعده اتقاء الشبهات ثم يدع بعده الفضلات كذلك . وقال أبو حفص : التقوى في الحلال المحض لا غير . وقال الدارانى : الورع أول الزهد كما أن القناعة طرف الرضا : وقال ابن عطاء : للتقوى ظاهر وباطن فظاهره محافظة الحدود وباطنه النية والإخلاص ، وكان سهل يقول : أزهد الناس في الدنيا أصفاهم مطعما : وقال أيضا أقصى مقام من الورع أو في مقام من الزهد ، وتحقيق ذلك أن الدنيا هي نصيب كل عبد من الهوى وما دنا من قلبه من الشهوات فمن زهد في نصيبه وملكه من هواه المذموم ، فهذا هو الزهد المفترض ، ومن زهد في نصيبه من المباح وهو فضول الحاجات من كل شئ فهذا