تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 203

مساهمون:

ص٢٠٣
لكن يجئ من هذا رائحة الرّغبة الفائحة لأنّ من شكا فراق أحد أحبّ وصاله ، ومن ترك شيئا لمكان الشّركاء فيه أحبّ لو انفرد به ، فالقول البالغ فيه ما قاله شيخنا رحمه اللّه تعالى : إنّ الدّنيا عدوّ اللّه عزّ وجلّ ، وأنت محبّه ، ومن أحبّ أحدا أبغض عدوّه ، قال : ولأنّها في أصلها وسخة جيفة ، ألا ترى أنّ آخرها إلى القذر والفساد والتّلاشى والاضمحلال والنّفاد ، لكنّها جيفة ضمّخت بطيب وطويت بزينة فاغترّ بظاهرها الغافلون ،
شرح
كما في سراج السالكين ( لكن يجئ من هذا ) أي الذي ذكره بعضهم ( رائحة الرغبة الفائحة ) أي المنتشرة ريحها ، وعلله رحمه اللّه بقوله ( لأن من شكا فراق أحد أحب وصاله ) أي وكره فراقه ( ومن ترك شيئا لمكان الشركاء فيه أحب ) أنه ( لو انفرد به ) ولم يشاركه فيه غيره . قال المصنف ( فالقول البالغ ) أي الكامل ( فيه ) أي في ذكر آفات الدنيا الذي يبعث على الترك والتفريق ( ما قاله شيخنا ) وهو أبو بكر الطوسي ( رحمه اللّه تعالى : إن الدنيا عدو اللّه عزّ وجل وأنت محبه ، ومن أحب أحدا أبغض عدوه ) أي عدو ذلك الأحد ، جعلنا اللّه من المبغضين للدنيا والمحبين للآخرة ( قال ) شيخنا ( ولأنها ) أي الدنيا عطف على قوله إن الدنيا عطفا تلقينيا وضابطه أن يفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بقال أو قيل ونحوهما كما يقال سأكرمك فتقول : وزيدا : أي وتكرم زيدا ، وتريد تلقينه ذلك ، وفي جواز العطف التلقينى خلاف والجمهور على المنع ، وأجازه بعضهم كما في حاشية الشهاب على البيضاوي ، وعبارته ، وقد ذكر هذه المسئلة الأسنوي وغيره في أصوله فقالوا : هل يتركب الكلام من كلمات متكلمين ؟ أجازه بعضهم ، ومنعه الجمهور ، وإلا لزم أن من قال امرأتي فقال آخر طالق يقع به الطلاق . ولا قائل به ، وأولوا كلام من قال بصحته بأن كلا منهما يضمر في كلامه ما ذكره الآخر بقرينة المقام ، ولكن يعد كلاما واحد على التسامح ، ثم إنهم ذكروا أن التلقين ورد بالواو وغيرها من الحروف وأنه وقع في الاستثناء كما في الحديث « إن اللّه حرم شجر الحرم قالوا إلا الإذخر يا رسول اللّه » : ذكره الكرماني في شرح البخاري . وقال : إنه استثناء تلقيني ، كذا ذكرا بعض المحققين ( في أصلها وسخة جيفة ) بكسر الجيم : أي بمنزلتها والجيفة جثة الميت المنتنة ( ألا ترى أن آخرها ) صائر ( إلى القذر ) ضد النظافة ( والفساد والتلاشى ) أي البطلان والهلاك ( والاضمحلال ) بكسر الهمزة . أي الزوال والذهاب ( والنفاد ) في المختار : نقد الشئ نفادا : فنى ( لكنها ) اى الدنيا ( ضمخت ) أي تلطخت وتلوثت ( بطيب وطويت ) بالبناء للمفعول : أي أخفيت . وفي نسخة : وطريت : أي حددث ، وفي أخرى : وطليت ( بزينة ) أي ما يتزين به ( فاغتر ) أي وقع في الاغترار والانخداع ( بظاهرها ) لحسنها وبهجتها ( الغافلون ) أي الجاهلون بعاقبتها ، لأن الدنيا كما قال ابن عطاء اللّه وغيره : ظاهرها غرة ، وباطنها عبرة