قول بعضهم : تركت الدّنيا لقلّة غنائها وكثرة عنائها ، وسرعة فنائها وخسّة شركائها . قال شيخى الإمام رحمه اللّه :
شرح
الحق في الدنيا ، وعظ أخا له في اللّه وحوفه باللّه فقال يا أخي إن الدنيا دحض مذلة ودار مذلة عمرانها إلى الحرب صائر وساكنها إلى القبور زائر شملها على الفرقة مدقوف وغناها إلي الفقر مصروف الإكثار فيها إعسار ، والاعسار فيها يسار فافزع إلي اللّه وأرض برزق اللّه لا تتسلف من دار فنائك إلى دار بقائك ، فإن عيشك فىء زائل وجدار مائل ، أكثر من عملك ، وأقصر من أملك . وقول يحيى بن معاذ : الدنيا بلغ من شؤمها أن تمنيك لها يلهيك عن طاعة اللّه ، فكيف الوقوع فيها .
أخرجه أبو نعيم في الحلية ، وقول بكر بن عبد اللّه : من أراد أن يستغنى عن الدنيا بالدنيا كان كمطفيء النار بالتبن . أخرجه ابن أبي الدنيا ، وقول حكيم : الدنيا دار حراب وأخرب منها قلب من يعمرها ، والجنة دار عمران وأعمر منها قلب من يطلبها . أخرجه ابن أبي الدنيا . وقول بعض الحكماء : إنك لن تصبح في شئ في الدنيا إلا وقد كان له أهل قبلك ، وسيكون له أهل بعدك ، وليس لك من الدنيا إلا عشاء ليلة وغداء يوم فلا تهلك في أكلة ، وصم عن الدنيا وأفطر على الآخرة ، وإن رأس مال الدنيا الهوى ، وريحها النار ، أخرجه ابن أبي الدنيا . وقول بعض الناس لبعض الرهبان : كيف ترى الدهر ؟ قال يخلق الأبدان ويجدّد الآمال ويقرب المنية ويبعد الأمنية قال فما حاله أهله ؟ قال من ظفر به تعب ومن فاته نصب ، وقد قيل في معنى ذلك :ومن يحمد الدنيا لعيش بسره * فسوف لعمري عن قليل يلومها
إذا أدبرت كانت على المرء حسرة * وإن أقبلت كانت كثيرا همومهاوقول بعض بعض الحكماء : كانت الدنيا ولم أكن فيها ، وتذهب الدنيا ولا أكون فيها فلا أسكن إليها ، فإن عيشها نكد ، وصفوها كدر ، وأهلها منها على وجل ، إنا بنعمة زائلة ستزول قريبا ، أو بلية نازلة ستنزل قريبا ، أو منية قاضية . وقال بعضهم : من عيب الدنيا أنها لا تعطى أحدا ما يستحق ، لكنها إما أن تزيد فوق استحقاقه وإما أن تنقص من استحقاقه . وقال أبو سليمان الدارانى : من طلب الدنيا على المحبة لها لم يعط منها شيئا إلا أراد أكثر مما طلب الآخرة على المحبة لها لم يعط منها شيئا إلا أراد أكثر منه ، وليس لهذا غاية ، ولا لهذا غاية .
أخرجه أبو نعيم في الحلية ، ومما ذكر ( قول بعضهم ) وهو يحيى بن معاذ الرازي رحمه اللّه كما قاله ابن علوي الحداد في رسالته ( تركت الدنيا لقلة غنائها ) بالفتح والمدّ : أي نفعها ( وكثرة عنائها ) بالفتح والمد : أي تعبها ، وبين الغناء والعناء الجناس المصحف ، وهو اختلاف الحروف في النقط . قال في عقود الجمان :في النقط إذ يوجد فالمصحف * أو حركات فهو المحرّف( وسرعة فنائها وخسة شركائها ، قال شيخى الإمام رحمه اللّه ) وهو أبو بكر الوراق رحمه اللّه