[ ما ورد عن العارفين في ذم الدنيا ]
وقد أكثر النّاس القول في ذلك فمنه
شرح
وقيل « أوحى اللّه إلى موسى عليه السّلام : يا موسى مالك ولدار الظالمين إنها ليست لك بدار أخرج منها همك وفارقها بعقلك ، فبئست الدار هي إلا لعامل يعمل فيها ، فنعمت الدار هي ، يا موسى إني مرصد للظالم حتى آخذ منه للمظلوم » أخرجه ابن أبي الدنيا في ذم الدنيا ، وعلي الجملة فالأخبار في هذا الباب أكثر من أن تحصى ، وأبعد من أن تستقصى ، وفيما أشرنا إليه كفاية ، وعبرة لمن يعتبر وتذكرة لمن يتذكر ، وما يتذكر إلا من ينيب ( وقد أكثر الناس ) أي العلماء من إطلاق العام وإرادة الخاص ( القول في ذلك ) أي في ذكر آفات الدنيا وعيوبها ( فمنه ) قول يحيى ابن معاذ « الدنيا حانوت الشيطان فلا تسرق من حانوته شيئا ، فيجىء في طلبه فيأخذك » أخرجه ابن أبي الدنيا ، ومنه قول الفضيل بن عياض رحمه اللّه : لو كانت الدنيا من ذهب يفنى ، والآخرة من خزف يبقي ، لكان ينبغي لنا أن نختار خزفا يبقي علي ذهب يفنى ، فكيف وقد اخترنا خزفا يفنى على ذهب يبقي ؟ . أخرجه أبو نعيم في الحلية ، وقول أبى الدرداء رضي اللّه عنه : من هوان الدنيا على اللّه أن لا يعصى إلا فيها ، ولا ينال ما عنده إلا بتركها . أخرجه ابن أبي الدنيا .
وقول بعضهم : الدنيا جيفة ، فمن أراد منها شيئا فليصبر على معاشرة الكلاب ، وفي هذا المعنى قال الشافعي رحمه اللّه تعالى :وما هي إلا جيفه مستحيلة * عليها كلاب همهن اجتذابهاومن هنا يؤخذ القول المشهور على الألسنة : الدنيا جيفة وطلابها كلاب . وفي القوت : ولقد أشهد ذلك بعض المكاشفين فقال : رأيت الدنيا في صورة جيفة ، ورأيت إبليس في صورة كلب وهو جاثم عليها ، ومناد ينادى من فوق : أنت كلب من كلابي ، وهذه جيفة من خلقي ، ولقد جعلتها نصيبك فمن نازعك شيئا منها فقد سلطتك عليه ، ومن ذلك قول بشر بن الحارث : من سأل اللّه الدنيا فإنما يسأله طول الوقوف بين يديه . نقله صاحب القوت ، وقول الحسن البصري :
لا تخرج نفس ابن آدم من الدنيا إلا بحسرات ثلاث : أنه لم يشبع مما جمع ، ولم يدرك ما أمل ، ولم يحسن الزاد لما يقدم عليه ، وقول أبى سليمان الدارانى : لا يصبر عن شهوات الدنيا إلا من كان في قلبه ما يشغله بالآخرة ، وقول أبى حازم : يسير الدنيا يشغل عن كثير الآخرة وإنك نجد الرجل يشغل نفسه بهم غيره حتى لهو أشد اهتماما من صاحب الهم بهم نفسه هكذا رواه صاحب الحلية ، وقول داود الطائي : يا ابن آدم فرحت ببلوغ أملك وإنما بلغته بانقضاء أجلك ، ثم سوفت بعملك كأن منفعته لغيرك . وقول وهب بن منبه ، من فرح قلبه بشئ من الدنيا فقدأ خطأ الحكمة ، ومن جعل شهوته تحت قدميه فرق الشيطان من ظله ، ومن غلب علمه هواه فهو الغالب ، رواه أبو نعيم في الحلية ، وقول حكيم من الحكماء لما قيل له الدنيا لمن هي ؟ قال لمن تركها ، فقيل الآخرة لمن هي ؟
فقال لمن طلبها ، وقول أبى القاسم الجنيد : كان الشافعي رحمه اللّه من المؤيدين الناطقين بلسان