شديدة من نفسه ، والشّأن كلّه في هذه ، ألم تسمع إلى قوله سبحانه عزّ من قائل :
« تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً »
علّق الحكم بنفي الإرادة دون الطّلب والفعل المراد ، وقوله سبحانه :
« مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ، وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ »
وقوله تعالى :
« مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ »
وقوله :
« وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها
الآية » أما ترى الإشارة كلّها إلى الإرادة فأمرها هو المهمّ إذن ، لكن العبد إذا واظب واستقام على الأوّلين ، أعنى التّفريق
شرح
أي مكابدة ( شديدة من نفسه ) . وفي المختار . فاسى الأمر : كابده انتهى . وأيضا فيه كابد الأمر قاسى شدته ( والشأن ) أي شأن الزهد ( كله في هذه ) أي الإرادة : أي تركها بالقلب ( ألم تسمع إلي قوله سبحانه ) أي تنزيها له عما لا يليق به ، وتعالت عظمته ( عز من قائل ) بيان للضمير الذي في قوله عز ، أي عز اللّه من قائل : أي غلب اللّه الذي هو القائل على جميع القائلين . قال :
بعضهم فيه وجهان : الأول أن من زائدة ، وقائل حال من فاعل عز ، أي عز قائلا . والثاني أن من زائدة ، وقائل تمييز : أي عز من جهة القائلية ، وهو محول ، وأصله حينئذ عز قائليته ، لأن التمييز فاعل في المعنى ، فهو يرفع الإبهام عن النسبة ، كذا في سراج السالكين ( تلك الدار الآخرة ) أي الجنة ( نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ) بالبغى ( ولا فسادا ) بعمل المعاصي .
قال المنصف ( علق ) سبحانه وتعالى ( الحكم ) وهو الجعل المذكور ( بنفي الإرادة ) للعلو والفساد ( دون الطلب والفعل المراد ، و ) ألم تسمع أيضا إلى ( قوله سبحانه : من كان يريد ) بعمله ( حرث الآخرة ) أي كسبها وهو الثواب ( نزد له في حرثه ) بالتضعيف فيه الحسنة إلي عشر وأكثر . قال الزبيدي : معنى نزد له في حرثه ، أي لا نحاسبه بما نعطيه منها بعد أن لا يريدها وأن لا يكون من همه ، فما أدخل عليه منها يخرج منه العبد من غير محاسبة ، فهذا مجاز الدنيا لأن الرزق لا يزاد فيه ذرة على ما قسم له أول مرة ، فجعل ذلك له مجعل المجازاة على زهده فيها وجرى مجرى المكافأة لخروج همه منها ( ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها ) بلا تضعيف ما قسم له ( وما له في الآخرة من نصيب ) أي حظ ( و ) إلي ( قوله تعالى :مَنْ كانَ يُرِيدُ *) بعمله ( العاجلة ) أي الدنيا ( عجلنا له فيها ما نشاء ) لا ما يشاء ( و ) إلى ( قوله ) تعالى (وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها) أي عمل عملها اللائق بها ( الآية ) أي اقرأ بقية الآية وهي قوله« وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً »( أما ترى الإشارة كلها إلى الإرادة ، فأمرها هو المهمّ إذن ) أي حين وجدت الإشارة ( لكن العبد إذا واظب واستقام ) أي طلب الاستقامة ( على الأولين : أعنى ) بهما ( التفريق ) لما عنده