[ اعلم أن أصعب الأمور هو ترك الإرادة للدنيا ]
الدّنيا على قلبه ، وهذا عندي هو الزّهد الحقيقىّ . ثمّ اعلم أنّ أصعب الأمور الثّلاثة إنّما هو ترك الإرادة بالقلب ، إذ كم من تارك لها بظاهره محبّ ، مريد لها بباطنه فهو في مكافحات ومقاساة
شرح
الدنيا على قلبه ، وهذا ) أي عدم حب الدنيا المعبر عنه بالبرودة ( عندي هو الزهد الحقيقي ) .
وقال أبو سعيد بن الأعرابي عن أشياخه : إنما الزهد عندهم خروج قدر الدنيا من القلب إذ هي لا شئ ، وهذا لعمري هو الزهد لأنه زهد ثم لم ينظر إلى زهده فزهد فيه إذ لم يره شيئا لأنه زهد في لا شئ ، وهذا يشبه ما يقال إن حقيقة الزهد هو الزهد في النفس ، لأنه قد يزهد في الدنيا لنفسه طلبا للعوض ، فيكون ذلك رغبة على صفة ، فإذا زهد في النفس التي يريد لها الأعواض على الزهد فهو حقيقة الزهد وهو يشبه قول من قال : ان حقيقة الزهد في الغنى هو الزهد في البقاء لأن العبد ربما زهد في الغنى ولم يزهد في البقاء فيكون فيه بقية من الرغبة ، فإذا زهد في البقاء فهو حقيقة الزهد في الغنى إذ كان الغنى يراد للبقاء وإذ لا متعة بالبقاء بغير غنى ، كذا في القوت .
( تنبيه ) اعلم أن الزهد على قسمين : مراد لذاته ، وهو الزهد فيما سوى اللّه تعالى من كل ما يشغل عن عين الشهود ، وهو من عقود الإيمان باللّه لتعلقه بالجلال والكمال ، ومراد لغيره وهو فراغ القلب لهذه المعرفة ، وكلما ازددت تركا للدنيا ازددت باللّه معرفة ، والقدر الواجب من الزهد المراد لغيره ما يحث علي الفراغ لأوقات الواجبات ، وهو لعمري سبب لإقامة الإخلاص الذي هو شرط في صحة العبادات ، فلا يقدر علي ترك جملة من الشرور الظاهرة والباطنة إلا بترك الدنيا إلا أن ما ينهى عنه لغيره غير ما ينهى عنه لأجل نفسه . والمباحات منهى عنها لأدائها إلي ما ذكرنا في الغالب ، ومن أهل التمكين من يعطى قوة يدبر بها العالمين ، ولا يشغله شئ عن اللّه ، فمنهم من وصل إلي هذا المقام الشريف بالكسب والاجتهاد ، وهو المسمى مريدا ، ومنهم من وصل إليه بنفس نفخ الرحمة في كشف الحجاب عن قلبه ، حتى وقف على حقيقة الأمر بغير مدافع ولا منازع وهو المسمى عند القوم مرادا ، وكل منهما مراد إلا أن هذا مراد بوسائط كثيرة ، وهذا مراد بغير واسطة ، وقد أخبر اللّه عن كلا الحالين فقال : « اللّه يجتبى إليه من يشاء ويهدى إليه من ينيب » وينبغي أن يجرى بينهما الخلاف الجاري في التفاضل بين أفاضل المؤمنين وأفاضل الملائكة لمناسبة الجذب والترقي ، هذا إذا اتحدت المعرفتان ، فإن اختلفا كانت الفضيلة على حسب المعرفة فافهم ، كذا ذكره العلامة الزبيدي ( ثم اعلم ) أرشدك اللّه ( أن أصعب الأمور الثلاثة ) وهي ترك طلب المفقود من الدنيا ، وتفريق المجموع منها ، وترك إرادتها واختيارها ( إنما هو ) أي الأصعب ( ترك الإرادة ) والمحبة للدنيا ( بالقلب ، إذ كم من ) شخص ( تارك لها بظاهره ) وهو ( محب مريد لها بباطنه فهو في مكافحات ) أي مواجهات . قال الأصمعي : كافحوهم إذا استقبلوهم في الحرب بوجوههم ليس دونها ترس ولا غيره ، وفلان يكافح الأمور : أي يباشرها بنفسه ( ومقاساة )