[ الكلام على العبودية ]
وطريق الأتقياء وقسمة الأعزّة ومقصد ذوى الهمّة وشعار الكرام ، وحرفة الرّجال واختيار أولى الأبصار وهي سبيل السّعادة ومنهاج الجنّة
شرح
وفراره إلى اللّه تعالى وهمه إلى اللّه عز وجل . قال الخراز : إذا أراد اللّه تعالى أن يوالى عبدا من عبيده فتح عليه باب ذكره ، فإذا استلذ الذكر فتح عليه باب القرب ثم رفعه إلى مجالس الأنس به ثم أجلسه على كرسي التوحيد ثم رفع عنه الحجب وأدخله دار الفردانية وكشف له عن الجلال والعظمة ، فإذا وقع بصره على الجلال والعظمة بقي بلا هو ، فحينئذ صار العبد زمنا فانيا فوقع في حفظه سبحانه وبرئ من دعاوى نفسه . وقال أبو تراب النخشبىّ : إذا ألف القلب الإعراض عن اللّه تعالى صحبته الوقيعة في أولياء اللّه تعالى ، ويقال صفة الوليّ أن لا يكون له خوف لأن الخوف ترقب مكروه يحل في المستقبل أو انتظار محبوب يفوت في المستأنف والولي ابن وقته ليس له مستقبل فيخاف شيئا وكما لا خوف له لا رجاء له ، لأن الرجاء انتظار محبوب يحصل أو مكروه يكشف وذلك في الثاني من الوقت ، وكذلك لا حزن له ؟ ، لأن الحزن من حزونة الوقت ، ومن كان في ضياء الرضى وبرد الموافقة فأنى يكون له حزن ؟ . قال اللّه تعالى« أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ »( وطريق الأتقياء ) أي المؤمنين الموصوفين بالتقوى ( وقسمة الأعزة ) جمع عزيز ويجمع أيضا على عزائز وعلى أعزاء ويطلق العزيز على معان ، منها أنه الذي لا مثل له في عصره وهو المناسب هنا كما قيل ( ومقصد ذوى الهمة ) العلية والهمة قوة راسخة في النفس طالبة لمعالى الأمور كما إفادة الزبيدي ( وشعار الكرام ) أي علامتهم ، جمع كريم ، وهو الجامع لأنواع الشرف وأوصاف الكمال أو هو المتصف بصفة تصدر عنها الأمور كالإعطاء ونحوه بسهولة أو هو شريف الأصل أو هو المفضل على غيره بحكم من اللّه كما نقله بعضهم عن الفاسي في شرح الدلائل ، ومطلق الكريم في اللغة ضد اللئيم كما يؤخذ من المختار ( وحرفة الرجال ) الأعلام : أي صناعتهم ومعاملتهم ( واختيار أولى الأبصار ) أي أصحاب الأبصار والبصائر ( وهي ) أي العبادة ( سبيل السعادة ) الأبدية في الدار الآخرة ، وهي الموت على الإيمان ، ويترتب عليها الخلود في الجنة : قال اللّه تعالى« وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها »كما قاله الشمس الرملي في غاية البيان ( ومنهاج الجنة ) أي طريقها الموصلة إليها . قال القشيري في الرسالة : سمعت أبا علىّ الدقاق رحمه اللّه تعالى يقول :
العبودية أتمّ من العبادة فأولا عبادة ، ثم عبودية ، ثم عبودة ، فالعبادة للعوام من المؤمنين ، والعبودية للخواص ، والعبودية لخاص الخاص اه . قال شيخ الاسلام زكريا وكونها لخاص الخاص لكمال معرفته بربه حيث أتى بما طلب منه ، ورأى نفسه محلا لجريان قضاء اللّه فيه ولتوفيقه له في فعل ما طلب منه فقلبه أقرب إلى مقام الجمع ، وهو إفراد الحق بالفعل من الثاني ، لأن الثاني شاهد لنفسه كسبا واختيارا وإن كان مفتقرا لعون ربه فيما يختاره ، والأول أقرب إلى مقام التفرقة لكونه يرى نفسه عابدا محسنا مطيعا ويطلب الجزاء على عمله : وقال أيضا العبودية : هي التبري