[ بيان أن طريق العبادة من أوائلها إلى مقاصدها طريق وعر وسبيل صعب ]
قال اللّه تعالى :
وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ
. وقال تعالى :
إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً .
ثمّ إنّا نظرنا فيها وتأمّلنا طريقها من مباديها إلى مقاصدها الّتى هي أماني سالكيها ، فإذا هي طريق وعر وسبيل صعب كثيرة العقبات ، شديدة المشقّات بعيدة المسافات ، عظيمة الآفات كثيرة العوائق والموانع ، حفيفة المهالك والمقاطع غزيرة الأعداء والقطّاع ، عزيزة الأشياع والأتباع ، وهكذا يجب أن تكون لأنّها طريق الجنّة فيصير هذا تصديقا لما قاله صلّى اللّه عليه وسلّم : ألا وإنّ الجنّة حفّت بالمكاره ، وإنّ النّار حفّت بالشّهوات .
شرح
من الحول والقوة في عبادته وأصلها العبادة ، وبهذا علم أن كلام المصنف رحمه اللّه يشمل العبودية فليتأمل ( قال اللّه تعالى :( وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ )وقال عز من قائل« وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ »( وقال تعالى إن هذا ) أي نعيم الجنة (كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً) أي مرضيا مقبولا مقابلا بالثواب كما نقله الجمل عن الكرخي ( ثم إنا نظرنا فيها ) أي العبادة ( وتأملنا طريقها من مباديها ) أي من أوائلها ( إلى مقاصدها ) وهي سعادة القرب من الرب عز وجل ( التي هي أماني سالكيها ) أي مطالبهم . والأماني جمع أمنية بتشديد الياء فيهما وتخفيفها فيهما ، وهو في الأصل ما يقدّر الانسان في نفسه ، من منى إذا قدر ، ولذلك تطلق على الكذب ، وعلى ما يتمنى وما يقرأ وما يطلب كما قاله السمين ( فإذا هي طريق وعر ) أي صعب على السالك ( وسبيل صعب ) أي عسير في المدارك ( كثيرة العقبات ) وهي في الأصل الثنايا بين الجبال ( شديدة المشقات بعيدة المسافات عظيمة الآفات كثيرة العوائق ) أي الشواغل عن العبادة . قال في القاموس : عوائق الدهر : الشواغل من أحداثه ( والموانع ) عطف تفسير ( حفيفة المهالك والمقاطع ) أي محفوفة بهما ( غزيرة الأعداء ) ومعنى الغزارة الكثرة ( والقطاع ) وهم الذين يخيفون المارة بالإضرار والإتلاف ( عزيزة الأشياع ) أي قليلة الأتباع جدا . وفي المختار : وشيعة الرجل أتباعه وأنصاره ، وكل قوم أمرهم واحد يتبع بعضهم رأى بعض فهم شيع . وقوله تعالى« كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ »أي بأمثالهم . قال القرطبي : والأشياع جمع شيع ، وشيع جمع شيعة ، فالأشياع جمع الجمع ( والأتباع ) عطف تفسير وهو بفتح الهمزة جمع تبع كسبب وأسباب ، ولا يخفى أن بين الغزيرة والعزيزة وبين الأشياع والأتباع جناس مصحف ، وهو اختلاف الحروف في النقط ، ومثله حديث الصحيحين « يسروا ولا تعسروا ، وبشروا ولا تنفروا » ( وهكذا يجب ) أي يحق ( أن تكون ) أي توجد تلك العبادة ( لأنها طريق الجنة فيصير هذا ) أي كون طريق العبادة على الصفات المذكورة من الوعر وغيره ( تصديقا لما قاله صلّى اللّه عليه وسلّم : ألا ) بفتح الهمزة والتخفيف حرف افتتاح معناه التنبيه ( وإن الجنة حفت ) بضم الحاء ، أي أحيطت ( بالمكاره وإن النار حفت بالشهوات )