شرح
هم عباد تسربلوا بالأنس بعد المكابدة ، واعتنقوا الروح بعد المجاهدة بوصولهم إلى مقام الولاية . قال الأستاذ أبو القاسم : سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى ، يقول : سمعت منصور بن عبد اللّه ، يقول :
سمعت عمى البسطامي يقول : سمعت أبي يقول : سمعت أبا يزيد يقول : أولياء اللّه عرائس اللّه تعالى ولا يرى العرائس إلا المحرمون فهم مخدرون عنده في حجاب الأنس لا يراهم أحد في الدنيا ولا في الآخرة ، قال : سمعت أبا بكر الصيدلاني ، وكان رجلا صالحا قال : كنت أصلح اللوح في قبر أبى بكر الطمستانى أنقر فيه اسمه في مقبرة الحيرة كثيرا ؛ وكان يقام ذلك اللوح ، ويسرق ولم يقلع من غيره من القبور فكنت أتعجب منه فسألت الأستاذ أبا علىّ الدقاق رحمه اللّه يوما عن ذلك فقال إن ذلك الشيخ آثر الخفاء في الدنيا ، وأنت تريد أن تشهر قبره باللوح الذي تصلحه فيه ، وأن الحق سبحانه يأبى إلا إخفاء قبره كما آثر هو ستر نفسه . وقال أبو عثمان المغربي الولىّ قد يكون مسهورا ولكن لا يكون مفتونا بأن تكون شهرته بركة عليه وعلى غيره بأن لا تشغله عن ربه فيسعد بها وتضاعف أعماله بكثرة من يقتدى به ، بخلاف من أشغلته شهرته عن ربه فإنه يكون مفتونا بها ، وكان النصراباذى يقول : ليس للأولياء في أغلب أحوالهم سؤال بألسنتهم ، إنما هو : أي سؤالهم في بواطنهم الذبول والخمول والتذلل تحت جريان المقادير والرضى بما يجريه الحق عليهم فأكثر أعمالهم بقلوبهم لأنها محل نظر ربهم ، ولأن أعمالها أشد من أعمال الجوارح ، وكان أيضا يقول : نهايات الأولياء بدايات الأنبياء . وقال سهل بن عبد اللّه : الولىّ الذي توالت أفعاله على الموافقة وقال يحيى بن معاذ : الولىّ لا يرائى ولا ينافق ، وما أقل صديق من كان هذا حاله . وقال أبو علي الجوزجاني : الولىّ هو الفاني في حاله ، الباقي في مشاهدة الحق سبحانه تولى اللّه سياسته فتوالت عليه أنوار التولي لم يكن له عن نفسه أخبار ، ولا مع غير اللّه قرار . وقال أبو يزيد :
حظوظ الأولياء مع تباينها من أربعة أسماء ، وقيام كل فريق منهم باسم منها وهو الأول والآخر والظاهر والباطن ، فمتى فنى عنها بعد ملابستها فهو الكامل التام ، فمن كان حظه من اسمه الظاهر لاحظ عجائب قدرته ، ومن كان حظه من اسمه الباطن لاحظ ما جرى في السرائر من أنواره ، ومن كان حظه من اسمه الأول كان شغله بما سبق ، ومن كان حظه من اسمه الآخر كان مرتبطا بما يستقبله ، وكلّ كوشف على قدر طاقته إلا من تولاه الحق سبحانه ببره ، وقام عنه بنفسه ، وهذا الذي قاله أبو يزيد يشير إلى أن الخواصّ من عباده ارتقوا عن هذه الأقسام فلا العواقب هم في ذكرها ، ولا السوابق هم في فكرها ، ولا الطوارق هم في أسرها ، وكذا أصحاب الحقائق يكونون محوا عن نعوت الخلائق . قال اللّه تعالى« وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ »وقال يحيى بن معاذ : الولىّ ريحان اللّه تعالى في الأرض يشمه الصديقون فتصل رائحته إلى قلوبهم فيشتاقون به إلى مولاهم ويزدادون عبادة على تفاوت أحوالهم ، وسئل الواسطي كيف يغذي الوليّ في ولايته ، فقال في بدايته بعبادته وفي كهولته بستره بلطافته ثم يجذبه إلي ما سبق له من نعوته وصفاته ، ثم يذيقه طعم قيامه به في أوقاته . وقيل علامة الولي ثلاثة : شغله باللّه تعالى