تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 197

مساهمون:

ص١٩٧
وأمّا الزّهد الّذى هو غير مقدور للعبد فهو برودة الشّىء على قلب الزّاهد . ثمّ الزّهد الّذى هو مقدور للعبد مقدّمات للزّهد الذي هو غير مقدور للعبد ، فإذا أتى به العبد بأن لا يطلب ما ليس عنده من الدّنيا ويفرّق ما عنده منها ويترك بالقلب إرادتها واختيارها لأجل اللّه وعظيم ثوابه بتذكّره لآفاتها أورثته تلك برودة
شرح
حجة الإسلام : وهؤلاء كلهم اقتصروا لا لقصور في البصيرة ، ولكنهم ذكروا ما ذكروه عند الحاجة فلا جرم ذكروه بقدر الحاجة ، والحاجات تختلف فلا جرم الكلمات تختلف ، وقد يكون سبب الاقتصار الإخبار عن الحاجة الراهنة التي هي مقام العبد في نفسه والأحوال تختلف ، فلا جرم الأقوال المخبرة عنها تختلف ، وأما الحق في نفسه فلا يكون إلا واحدا ، ولا يتصور أن يختلف : أي على الصحيح من مذهب الأصوليين ، وإنما الجامع لهذه الأقاويل الكامل في نفسه وإن لم يكن فيه تفصيل ما قاله أبو سليمان الداراني ، إذ قال : سمعنا في الزهد كلاما كثيرا ، والزهد عندنا : ترك كل شئ يشغلك عن اللّه عز وجل . قال الزبيدي . وكأن الزهد عنده . دوام التفرغ للّه تعالى بحسن الإقبال عليه . وقال شارح الرسالة : أراد بترك ما يشغل عن اللّه : أي بقلبه وإلا فهو من ثمرات الزهد ، فقد يترك الإنسان ما يشغله عن اللّه لزهده بل لشغله بما هو أشرف منه . وقد فصل الدارانى وقال : من تزوج أو سافر في طلب المعيشة أو كتب الحديث فقد ركن إلى الدنيا فجعل جميع ذلك ضدا للزهد ، وقد قرأ قوله تعالي« إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ »قال : هو القلب الذي ليس فيه غير اللّه . قال الزبيدي : فهذا زهد الصديقين ، وإنما تكون هذه الثلاث دنيا لمن أراد الدنيا لعاجل متعة النفس بها ، فأما من أراد بها الآخرة فهي طرقات له إلى الآخرة . وقال الدارانى مرة : إنما زهدوا في الدنيا لتفرغ قلوبهم عن همومها للآخرة . قال بعضهم : فإذا رزق العبد فراغ القلب مع وجود هذه الثلاث التي ذكرت كن له قربات إلى المذكور ، وقد كان رحمه اللّه تعالى ذا عيال ولم يكن يشغله ذلك عن أوقاته مع اللّه ، ولا يدخلون عليه في مقامه فيخرجونه من المقام ، كذا في القوت . قال المصنف رحمه اللّه تعالى ( وأما الزهد الذي هو غير مقدور للعبد فهو برودة الشئ على قلب الزاهد ) أي لا يحبه ( ثم الزهد الذي هو مقدور للعبد ) وهو الثلاثة المذكورة ( مقدمات للزهد الذي هو غير مقدور للعبد ) وهو برودة الشئ على قلبه بمعنى عدم محبته له ( فإذا أتى به ) أي بالزهد المقدور له ( العبد ) وذلك ( بأن لا يطلب ما ليس عنده من الدنيا و ) أن ( يفرق ) أي يقسم على وجه مرضى عند اللّه ( ما عنده منها ) أي من متاع الدنيا ( و ) أن ( يترك بالقلب إرادتها واختيارها لأجل اللّه ) أي لا لغرض من الأغراض الفاسدة ( وعظيم ثوابه بتذكره ) أي العبد ( لآفاتها ) أي الدنيا ، فإن التذكر لها يخففه على ما فعله من الأمور الثلاثة ( أورثته ) جواب إذا في قوله فإذا أتى ( تلك ) أي الأمور الثلاثة ( برودة