شرح
وطلب الخضوع والضعة . وقال آخرون : الزهد مفارقة حظوظ النفس في كل شئ . وكان سفيان يقول : الزهد في الدنيا هو الصبر على الحق في كل شئ . وسئل حاتم الأصم عن الزهد ، فقال :
رأسه الثقة باللّه ، ووسطه الصبر ، وآخره الإخلاص ؛ فأدخل فيه التوكل وجعله أوله لأنه لا يزهد حتى يثق باللّه في الرزق ؛ ويتوكل عليه فيه ؛ وجعل الصبر حالا منه أراد الثبات لئلا يميل أو يخرج فيرجع إلى الرغبة ؛ وجعل نهايته الإخلاص وهذا إخلاص الصادقين أن تريد بذلك وجه اللّه وحده وابتغاء مرضاته ، لا تطلعا إلى عوض ، ولا تطلبا لسبب هو دون اللّه تعالى ، وكذلك جعل أحمد ابن حنبل الإخلاص هو الزهد ففسره به لأنه إذا بلغ حقيقة الإخلاص للّه وحده فقد زهد فيما سواه فاتفقا بمعنى تقاربا فيه ، أما أحدهما ففسر الزهد بالإخلاص جعله نهايته وهو حاتم ، وأحمد عبر عن الإخلاص بالزهد لأنه حقيقته ، وأما أيوب السختياني فإنه سئل عن الزهد ما هو ؛ فقال هو أن تقعد في بيتك ، فإن كان قعودك للّه رضا وإلا خرجت تنفق درهمك ، فإن كان رضا وإلا أمسكت تمسك مالك ، فإن كان رضا وإلا أخرجته تسكت ، فإن كان سكوتك للّه رضا ، وإلا تكلمت تتكلم ، فإن كلامك للّه رضا وإلا سكت ، وهذا هو الزهد وإلا فلا تلعبوا ، وهذا مقام المحاسبة للنفس ، وحال المراقب للرب ووصف المراعى للوقت ، فجعل الدنيا هي ترك موافقة رضا اللّه تعالى في كل شئ إذ جعل الزهد فيها هو اتباع مرضاته في الأشياء . وقال مجاهد : الزهد الأثرة للّه على ما سواه إذا أتاه شئ من الدنيا استعمل الخوف والحياء فيؤدى إلى كل ذي حق حقه . وكان ابن عيينة يقول : حد الزهد أن يكون شاكرا عند الرخاء صابرا عند البلاء ، فهذا قد صير الشاكر على النعمة ، والصابر على البلية زاهدا ، وجمع له الزهد باجتماع الشكر والصبر ، وهذا زهد عموم المؤمنين ، وقيل ليحيى بن معاذ متى يكون الرجل زاهدا ؟ فقال : إذا بلغ حرصه في ترك الدنيا حرص الطالب لها كان زاهدا . قال الدارانى : الزهد : التخلي من الدنيا والاشتغال بالعبادة ، فأما من تركها وتبطل فإنما طلب الراحة لنفسه . وقال سهل : أول الزهد التوكل ، وأوسطه إظهار القدرة . وقال أيضا : لا يزهد العبد زهدا حقيقيا لا رجعة بعده إلا بعد مشاهدة قدرة . وقال بعضهم : الزهد هو إخفاء الزهد . وقال سهل : لا ينال الزهد إلا بالخوف ، لأن من خاف ترك ، فجعل الزهد مقاما في الخوف رفعة عليه . وفي الخبر « إنما الزهد أن تكون بما في يد اللّه تعالى أوثق منك بما في يدك » فهذا مقام التوكل . وقال قوم : الزهد هو ترك الادخار ، فكانت الدنيا عندهم الجمع . وقال بعضهم : الدنيا ما شغل القلب واهتم به ، فجعلوا الزهد ترك الاهتمام وطرح النفس تحت تصريف الأحكام وهذا هو التفويض والرضا . وقال الدارانى : التورع أول الزهد . وقال أبو هشام المغازلي : الزهد قطع الآمال وإعطاء المجهود وخلع الراحة . وقال ابن السماك : الزهد أن لا يفرح بشئ من الدنيا أتاه ، ولا يحزن على شئ منها فاته لا يبالي على عسر أصبخ أم يسر . وقال طيفور البسطامي : الزهد أن لا يملك ولا يملك . وقال علماء الظاهر الزهد في الدنيا : موافقة العلم والقيام بأحكام الشرع وأخذ الشئ من وجهه ووضعه في حقه ، وما خالف العلم فهو جهل كله وهوى ، فذكروا فرض الزهد وظاهره ولم يعرفوا غرائبه وباطنه ، ذلك مبلغهم من العلم ونصيبهم من الفهم ، وهو مقامهم من المقال وطريقهم المشوب بالاعتلال . قال