فإن قلت : فما معنى الزّهد في الدّنيا وما حقيقة ذلك . فاعلم أنّ الزّهد عند علمائنا رحمهم اللّه زهدان : زهد مقدور للعبد وزهد غير مقدور ، فالّذى هو مقدور ثلاثة أشياء : ترك طلب المفقود من الدّنيا وتفريق المجموع منها وترك إرادتها واختيارها .
شرح
مع الاحتياط فإنه وإن كان شاقا فمدته قريبة ، والاحتماء مدة يسيرة للتنعم على التأييد لا يثقل على أهل المعرفة القاهرين أنفسهم بسياسة الشرع ، المعتصمين بعروة اليقين من معرفة المضادة التي بين الدنيا والدين . ( فإن قلت ) لي ( فما معنى الزهد في الدنيا وما حقيقة ذلك ؟ فاعلم ) هداك اللّه تعالى ( أن الزهد عند علمائنا ) أي معاشر الصوفية ( رحمهم اللّه زهدان : زهد مقدور للعبد ، وزهد غير مقدور ) أي له ( فالذي ) أي الزهد الذي ( هو مقدور ثلاثة أشياء ) أحدها ( ترك طلب المفقود من الدنيا . و ) ثانيها ( تفريق المجموع منها . و ) ثالثها ( ترك إرادتها ) بالقلب ( واختيارها ) وهذا الذي ذكره قريب مما قاله الجنيد : الزهد معنيان : ظاهر وباطن ، فالظاهر نفض ما في الأيدي من الأملاك وترك طلب المفقود ، والباطن زوال الرغبة عن القلب ووجود العزوف والانصراف عن ذكر ذلك . وفي الزهد أقاويل كثيرة بعضها عند التأمل يرجع إلى بعض ما ذكر ، فمن ذلك قول بعضهم : الزهد أن لا تفرح بموجود من الدنيا ، ولا تتأسف على مفقود منها ، نزع بذلك إلى قوله تعالى« لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ ». وقال أبو عثمان : الزهد أن تترك الدنيا ثم لا تبالى من أخذها . وقال أبو علي الدقاق : الزهد أن تترك الدنيا كما هي لا تقول :
أبنى رباطا ، ولا أعمر مسجدا . وقال ابن الجلاء : الزهد هو النظر إلى الدنيا بعين الزوال لتصغر في عينك ، فيسهل عليك الإعراض عنها . وقال الجنيد : الزهد : خلو القلب مما خلت منه اليد . وقال ابن المبارك : الزهد هو الثقة باللّه مع حبّ الفقر ، وبه قال شقيق البلخي ويوسف بن أسباط . قال القشيري : وهذا أيضا من أمارات الزهد ، فإنه لا يقوى العبد على الزهد إلا بالثقة باللّه . قال عبد اللّه بن زيد : الزهد ترك الدنيا والدرهم . وسأل رويم الجنيد عن الزهد ؟ فقال هو استصغار الدنيا ومحو آثارها من القلب ، ويروى عنه أيضا : الزهد خلو اليد من الملك ، وخلو القلب من التتبع . وقال الشبلي : الزهد أن تزهد فيما سوى اللّه تعالى . وقال ذو النون :
الزهد في الدنيا هو الزهد في النفس . وقال الحسن البصري : الزهد في الدنيا أن تبغض أهلها وتبغض ما فيها . وقال بعضهم : الزهد في الدنيا ، هو ترك ما فيها على من فيها ، فهذه ثلاثة عشر قولا نقلها القشيري في الرسالة وفي القوت لأبى طالب المكي . وقالت طائفة : الزهد هو بغض المحمدة ، وأن لا تحبّ أن تحمد على شئ من أعمالك وقال آخرون : الدنيا هي الأكل واللباس والمال ، والزهد : هو ترك فضول هذه الأشياء . وقال آخرون : حقيقة الدنيا هو حب الشرف والعلو وطلب العز والرياسة ، فينبغي أن يكون الزهد عند هؤلاء هو حب الخمول والذلة