تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 194

مساهمون:

ص١٩٤

[ إذا كانت العبادة تشرف بالزهد فحق لمن طلب العبادة أن يزهد في الدنيا ويتجرد عنها وبسط الكلام علي الزهد ]

أبدا سرمدا » فإذا كانت العبادة تشرف وتكثر بذلك فحقّ لمن طلب العبادة أن يزهد في الدّنيا ويتجرّد عنها .
شرح
ويطلق أيضا على ألف سنة ، وفي المشارق : الدهر مدة الدنيا . وقال بعضهم : وقد يقع الدهر على بعض الزمان انتهى . وفي كتاب [ القرى ] للمحب الطبري قال ثم الزمان والدهر واحد ، وأنكر ذلك أبو الهيثم وقال : الزمان زمان الحر وزمان البرد وزمان الرطب ، ويكون الزمان من الشهرين إلى ستة أشهر ، والدهر لا ينقطع إلا أن يشاء اللّه تعالى . وقال الأزهري : الدهر عند العرب يقع على بعض الدهر وعلى مدة الدنيا كلها يقولون : أقمنا علي كذا دهرا انتهى . وقال حجة الإسلام الغزالي في لباب المعارف العقلية : الزمان عدد حركات الفلك بعد الحصر والعدد ، والدهر حركات الفلك قبل العدد والحساب ، ولهذا قيل : إن الدهر أصل الزمان ، لأن الزمان ممتد مع السفليات ، والدهر ممتد مع العلويات ، كذا ذكره الفاسي ( أبدا سرمدا ) أي دائما ، روى هذا الحديث مسروق عن ابن مسعود كما في القوت . قال الزبيدي : وقد روى نحوه مرفوعا من حديث أنس « ركعتان من رجل ورع أفضل من ألف ركعة من مخلط » . رواه أبو نعيم ، وروى ابن النجار عن موسى بن جعفر عن أبيه عن جده « ركعتان من عالم أفضل من سبعين ركعة من غير عالم » . وروى الشيرازي في الألقاب من طريق مالك بن دينار عن الحسن عن أنس عن علىّ رفعه « ركعتان من عالم باللّه خير من ألف ركعة من متجاهل باللّه » وقال صلّى اللّه عليه وسلّم « إذا رأيتم العبد قد أعطى صمتا وزهدا في الدنيا فاقتربوا منه فإنه يلقى الحكمة » وقال تعالى« وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً » ،ولذلك قيل : من زهد في الدنيا أربعين يوما أجرى اللّه ينابيع الحكمة في قلبه ، وأنطق بها لسانه . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم « إن أردت أن يحبك اللّه فازهد في الدنيا » فجعل الزهد سببا للمحبة ، فمن أحبه اللّه تعالى فهو في أعلى الدرجات ، فينبغي أن يكون الزهد في الدنيا من أفضل المقامات وصار الزاهد حبيب اللّه ، ولما سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن معنى الشرح في قوله تعالى .« فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ » ،وقيل له ما هذا الشرح ؛ فقال : إن النور إذا دخل في القلب انشرح له الصدر وانفسح قيل يا رسول اللّه وهل لذلك من علامة ، قال نعم : التجافي عن دار الغرور ، والإنابة إلى دار الخلود ، والاستعداد للموت قبل نزوله » فانظر كيف جعل الزهد في علامة شرح الصدر بالنور ، وهو نور التصديق الذي هو عموم وصف المؤمنين ، لأنه هو التحقيق بالاسلام ، فهذا هو الزهد جعله شرطا للاسلام ، وهو التجافي عن دار الغرور ، وروى عن ابن المسيب عن أبي ذر عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال « من زهد في الدنيا أدخل اللّه الحكمة قلبه فأنطق بها لسانه ، وعرفه داء الدنيا ودواءها ، وأخرجه منها سالما إلى دار السّلام » ، والأدلة في بيان فضيلة الزهد أكثر من أن تحصى ، وفيما ذكرناه كفاية لأولى الألباب ( فإذا كانت العبادة تشرف وتكثر بذلك ) أي بسبب الزهد ( فحق ) أي ثبت ووجب ( لمن طلب العبادة ) حقها ( أن يزهد في الدنيا ويتجرد عنها )
سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 194 | السيد احمد بن زيني دحلان