أنّه قال : « إنّ العبد إذا زهد في الدّنيا استنار قلبه بالحكمة وتعاونت أعضاؤه في العبادة » فهذه هذه . والثّانى من الأمرين أنّه يكثر قيمة عملك ويعظّم قدره وشرفه ، فلقد قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « ركعتان من رجل عالم زاهد قلبه خير وأحبّ إلى اللّه جلّ جلاله من عبادة المتعبّدين إلى آخر الدّهر ،
شرح
وسلمان رضى اللّه تعالى عنهم » قال الترمذي حديث حسن ( أنه قال : إن العبد إذا زهد في الدنيا استنار ) أي أضاء ( قلبه ) قال حجة الإسلام : القلب لطيفة ربانية هي المخاطبة وهي التي تثاب وتعاقب ولها تعلق بالقلب اللحمانى الصنوبري الشكل تعلق العرض بالجوهر ، ويسمى روحا ونفسا ( بالحكمة ) أي العلم النافع كما قاله بعضهم وهو العلم باللّه ، وكذا العلم بأحكام اللّه ( وتعاونت أعضاؤه في العبادة فهذه ) أي الجملة ( هذه ) أي هي الموصوفة بالكمال والعظمة ، وبالجملة إن الزهد هو الآلة التي لا يستغنى عنها عابد ولا عارف ، لأن الدنيا عدوة محبوبة ، أما كونها عدوة فلأنها قاطعة شاغلة ، وأما كونها محبوبة فلأن أصل الحياة وكمالها لا يتأتى إلا بها ، وأصل الحياة هو المقصود للعبادة والمعرفة ، وكمال الحياة بالنعيم هو القاطع إن كان محظورا ، والشاغل إن كان مباحا ؛ وأما الزهد فلا يتعلق إلا بترك المباح ، وترك المباح منوط بثلاث آفات : الآفة الأولى : أن الانهماك فيه يحمل على ترك الواجبات وفعل المحظورات ، ولا يقدر على فعل الواجبات وترك المحظورات إلا بترك فضول الشهوات المباحات . الآفة الثانية : اعتياد النفس وإلفها به : أي بالمباح فيشق عليها مفارقته ، والمفارقة للدنيا ضرورة . الآفة الثالثة : الاشتغال به عن معرفة اللّه التي ما خلقت إلا لأجلها ، والقلب لا يتسع الحالين : إما إقبال على الدنيا أو على الآخرة ، أو على اللّه تعالى ، فإذا عرفت هذا عرفت أن الزهد في الدنيا صرورة السالك ، فأما السبب الموجب للزهد ، فقد قال اللّه تعالى :« لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ »وقال :« ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ »فقد عرفك طريق الفكر في الآية الأولى ، وهو أن تنظر إلى فناء الدنيا وسرعة ذهابها حتى كأنها لم تكن ، وفي بقاء الآخرة وثباتها حتى كأنها لم تزل مع ما اشتملت عليه الدنيا من الخساسة والقذارة والمكابدة ومحاصرة الشركاء ، وكذلك ما اشتملت عليه الآخرة من النفاسة والبهاء وعدم الآفات ، والإيمان بهاتين المعرفتين واجب لأنهما من عقود الإيمان باللّه ، فإذا أضفت المعرفة بالآخرة إلي المعرفة بالدنيا وكانت إرادتك مائلة إلى الدنيا انصرفت إرادتك من الدنيا إلى الآخرة فحينئذ تعرف حقيقة الزهد بالذوق إن كنت مصدقا برهانا أو تقليدا ، فحقيقة الزهد انصراف الإرادة عن الدنيا حقارة لاستعظام ما عاين من نفاسة الآخرة كما ذكره العلامة الزبيدي . ( و ) الأمر ( الثاني ) الذي لزمك الزهد له ( من الأمرين أنه ) أي الزهد ( يكثر قيمة عملك ويعظم ) أي ذلك الزهد ( قدره ) أي قدر العمل ( وشرفه فلقد قال ) رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وسلّم : ركعتان من رجل عالم زاهد قلبه خير وأحب إلى اللّه جل جلاله من عباده المتعبدين إلى آخر الدهر ) أي آخر الزمان الطويل والأبد المحدود