سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 192
[ نبذة يسيرة في شأن سيدنا سلمان الفارسي رضى اللّه عنه ، وما قاله في الزهد في الدنيا والأحاديث التي وردت في فضل الزهد ] أبي دهقانها . وسبب إسلامه مشهور ، وأنه هرب من أبيه وكان مجوسيا ، فلحق براهب ، ثم جماعة من الرهبان واحدا بعد واحد يصحبهم إلى وفاتهم إلى أن دله الأخير إلى الذهاب إلي الحجاز وأخبره بظهور النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقصده مع عرب ، فغدروا به وباعوه في وادى القرى ليهودي ، ثم اشتراه منه يهودي من قريظة ، فقدم به المدينة فأقام به مدة حتى قدم بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فأتاه بصدقة فلم يأكل منها ، ثم بعد مدة أتاه بهدية فأكل منها ، ثم رأى خاتم النبوة ، وكان الراهب الأخير وصف هذه العلامات الثلاث للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم . قال سلمان : فرأيت الخاتم فقبلته وبكيت ، فأجلسنى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بين يديه ، فحدثني بشأنى كله ، وفاتنى بدر وأحد بسبب الرق ، فقال لي يا سلمان كاتب عن نفسك ، فلم أزل بصاحبي حتى كاتبته أن أغرس له ثلاثمائة نخلة وعلى أربعين أوقية ذهب ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . أعينوا أخاكم سلمان بالنخل ، فأعانوني حتى اجتمعت لي قال فقرّبها ولا تضع منها شيئا حتى أضعه بيدي ففعلت ؛ فأعانني أصحابه حتى فرغت ، فأتيته فكنت آتيه بالنخلة فيضعها ؛ ويسوى عليها التراب ؛ فو الذي بعثه بالحق نبيا ما ماتت واحدة وبقي الذهب ؛ فجاء رجل بمثل البيضة من ذهب أصابه من بعض المعادن ؛ فقال ادع سلمان المسكين الفارسي المكاتب ؛ فقال أدّ هذه ؛ وروينا عنه قال تداولنى بضعة عشر ربا من رب إلى رب . وأول مشاهده مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الخندق ، ولم يتخلف عن مشهد بعدها ، وآخى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بين أبى الدرداء وبين سلمان ، ثبت ذلك في صحيح البخاري ، وكان من فضلاء الصحابة ، وزهادهم وعلمائهم وذوى القرب من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهو الذي أشار على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بحفر الخندق حين جاءت الأحزاب ، وسكن العراق ، وكان يعمل الخوص بيده فيأكل منه ، وكان عطاؤه خمسة آلاف فإذا خرج فرّقه ، وكان أبو الدرداء قد سكن الشام ، فكتب إلى سلمان : أما بعد ، فإن اللّه قد رزقني مالا وولدا ، ونزلت الأرض المقدسة ؛ فكتب إليه سلمان : سلام عليك أما بعد ؛ فإنك كتبت إلى أن اللّه تعالى قد رزقك مالا وولدا ، فاعلم أن الخير ليس بكثرة المال والولد ؛ ولكن الخير أن يكثر حلمك وأن ينفعك علمك وكتبت إلى أنك بالأرض المقدسة وإن الأرض لا تقدس أحدا ؛ ونقلوا اتفاق العلماء على أن سلمان الفاسي عاش مائتين وخمسين سنة ، وقيل : ثلاثمائة وخمسين سنة ؛ وقيل إنه أدرك وحى عيسى ابن مريم ؛ على نبينا وعليه الصلاة والسّلام . روى له عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ستون حديثا ، اتفق البخاري ومسلم على ثلاثة ؛ ولمسلم ثلاثة ؛ وروى عنه ابن عباس وأنس وعقبة بن عامر وأبو سعيد وكعب بن عجرة وأبو الطفيل رضى اللّه عنهم ؛ وروى جماعات من التابعين : توفى سلمان بالمدائن في أول سنة ست وثلاثين ، وقيل : سنة خمس وثلاثين ، ويقال في خلافة عمر رضى اللّه عنه ، وهو غلط . قال أبو بكر ابن أبي داود وغيره : لسلمان ثلاث بنات بأصبهان ، وروى الترمذي بإسناده عن أنس رضى اللّه تعالى عنه « أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : إن الجنة لتشتاق إلى ثلاثة : على ، وعمار ،