بالقلب وهو الباطن لمكان الإرادة فما روى عن النّبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال :
« من أحبّ دنياه أضرّ بآخرته ، ومن أحبّ آخرته أضرّ بدنياه فآثروا ما يبقى على ما يفنى » فبان لك أنّه إذا اشتغل ظاهرك بالدّنيا وباطنك بإرادتها فلا تتيسّر لك العبادة حقّها ، وأمّا إذا زهدت فيها فتفرّغت بظاهرك وباطنك تتيسّر لك العبادة ، بل تعاونك أعضاؤك عليها . ولقد روى عن سلمان الفارسىّ رضى اللّه عنه
شرح
( بالقلب وهو الباطن لمكان الإرادة ) فهو أن حبها إضرار بالآخرة لما أشار له بقوله ( فما روى عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : من أحب دنياه أضر بآخرته ) لأن حب الدنيا يشغله عن تفريغ قلبه لحب ربه ولسانه لذكره فيضر آخرته ولا بد ( ومن أحب آخرته أضر بدنياه ) لأن حب الآخرة يعطل عليه أسباب الكسب والمعاش فيضر بدنياه ولا بد ، والباء في الموضعين للتعدية فهما ككفتى ميزان ، فإذا رجحت إحدى الكفتين خفت الأخرى ( فآثروا ) أي اختاروا ( ما يبقى على ما يفنى ) قال العلامة عبد الحق بن شاه : رواه الإمام أحمد والحاكم عن أبي موسى الأشعري قال العراقي : رواه أحمد والبزار والطبراني وابن حبان والحاكم وصححه على شرط الشيخين . قال الزبيدي : وهو منقطع بين المطلب بن عبد اللّه وبين أبى موسى ، وسبقه إلى ذلك الذهبي ، وقد رواه كذلك القضاعي في مسند الشهاب والبيهقي في الشعب ؛ وقال المنذري : رجال أحمد ثقات ، وعند بعضهم : ألا فآثروا بزيادة ألا التنبيهية ( فبان ) أي ظهر ( لك ) بهذا الحديث ( أنه ) أي الشان ( إذا اشتغل ظاهرك بالدنيا ) أي بطلبها ( وباطنك بإرادتها فلا تتيسر لك العبادة حقها ) من الحضور القلبي وغيره ، بل تتيسر صورتها الظاهرة ، لأنك قد أديتها بعدم الحضور والخشوع فتكون كالجسد بلا روح ( وأما إذا زهدت فيها ) أي الدنيا ، يقال : زهد يزهد من باب منع وسمع وكرم كما قاله الشوبرى ، وهو لغة : الإعراض عن الشئ لاستصغاره وارتفاع الهمة عنه لاحتقاره ، من قولهم : شئ زهيد ، أي قليل ، وشرعا : أخذ قدر الضرورة من المال المتيقن . الحل فهو أخص من الورع إذ هو ترك المشتبه ، وأحسن حدوده كما قال ابن القيم : أنه فراغ القلب من الدنيا ، لا فراغ اليد ، وهذا زهد العارفين وأعلى منه زهد المقربين وهو الزهد فيما سوى اللّه من دنيا وجنة وغيرهما إذ ليس لصاحب هذا الزهد مقصد إلا الوصول إليه تعالى والقرب منه ( فتفرغت ) أي اتصفت بالخلو من الميل إلي فان والثقة بزائل كما قرره بعضهم ( بظاهرك وباطنك تتيسر لك العبادة ) أي حقها ( بل تعاونك أعضاؤك عليها ) أي العبادة ( ولقد روى عن سلمان الفارسي رضى اللّه عنه ) أي الصحابي : وهو أبو عبد اللّه سلمان الخير مولى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سئل عن نسبه ؟ فقال أنا سلمان ابن الإسلام ، أصله من فرس من جى بفتح الجيم وتشديد الياء : قرية من قرى أصبهان ، وقيل من رامهرمز ، روى ابن أبي خيثمة في تاريخه عن ابن عباس قال حدثني سلمان رضى اللّه تعالى عنه قال : كنت من أهل أصبهان من قرية يقال لها جى ، وكان