ودفعها ، إنّما هو بالتّجرّد عنها والزّهد فيها وإنّما لزمكم هذا التّجرّد والزّهد لأمرين : أحدهما لتستقيم لك العبادة وتكثر ، فإنّ الرّغبة في الدّنيا تشغلك ، أمّا ظاهرك فبالطّلب ، وأمّا باطنك فبالإرادة وحديث النّفس وكلاهما يمنع العبادة ، فإنّ النّفس واحدة ، والقلب واحد ، فإذا اشتغل بشئ انقطع عن ضدّه ، وإنّ مثل الدّنيا والآخرة كمثل الضّرّتين إن أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى ، وأنّهما كالمشرق والمغرب بقدر ما تميل إلى أحدهما أعرضت عن الآخر ،
شرح
وغيره ( ودفعها ) أي الدنيا ( إنما هو بالتجرد ) أي الانزواء والتخلي ( عنها ) أي عن حبها ( والزهد فيها ) أي الاعراض عنها . وللزهد مراتب ودرجات ، وذلك بحسب علو الهمة وانحطاطها وعلو الهمة بحسب ما يشرق من النور في القلب فينشرح له الصدر ويحصل عنه العلم بأن المرغوب فيه أفضل من المزهود فيه ( وإنما لزمك هذا التجرد والزهد لأمرين : أحدهما لتستقيم لك العبادة وتكثر ، فان الرغبة ) أي التوجه والإقبال ( في الدنيا تشغلك ) بفتح التاء والغين ، من شغله شغلا وشغلا ثلاثيا مجردا : ضد الفراغ ، وأما أشغله مزيدا فلغة رديئة ، قاله الجوهري وابن القوطية وابن طريف : أي تشغلك عن العبادة ظاهرا وباطنا ( أما ظاهرك ) أي الاشتغال بظاهرك ( فبالطلب ) أي تحصيلها ( وأما باطنك فبالإرادة ) بالقلب ( وحديث النفس ، وكلاهما ) أي الطلب والإرادة ظاهرا وباطنا ( يمنع العبادة فان النفس واحدة والقلب واحد ) وما جعل اللّه لرجل من قلبين ( فإذا اشتغل ) أي ذلك القلب ( بشئ انقطع عن ضده ) أي الشئ المشتغل به . وقال مالك بن دينار : بقدر ما تحزن للدنيا يخرج همّ الآخرة من قلبك ، وبقدر ما تحزن للآخرة يخرج هم الدنيا من قلبك ( و ) هذا اقتباس مما قاله على رضى اللّه عنه حيث قال في تشبيه الدنيا والآخرة ( إن مثل الدنيا والآخرة كمثل الضرتين ) تثنية ضرة ، وضرة المرأة : امرأة زوجها كما في المختار ( إن أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى ، وإنهما ) أي الدنيا والآخرة ( كالمشرق والمغرب بقدر ما تميل إلى أحدهما أعرضت عن الآخر ) ومثل إناءين أحدهما فارغ ، والآخر ملآن بقدر ما تصبّ في الفارغ ينقص الملآن ، وقد روى ذلك أيضا من قول وهب بن منبه كما في الحلية ، ومثله قول عوف بن عبد اللّه المسعودي : الدنيا والآخرة في العبد ككفتى الميزان ، ترجح إحداهما فتخفّ الأخرى ، وقال أبو سليمان الدارانى رحمه اللّه تعالى : إذا كانت الآخرة في القلب جاءت الدنيا تزاحمها للؤمها ، وإذا كانت الدنيا في القلب لم تزاحمها الآخرة لكرمها ، نقله صاحب القوت ، وقال معناه إن يسير الدنيا يخرج كثير الآخرة ، وكثير من شأن الآخرة لا يخرج يسيرا من الدنيا وان كثيرا من أمر الآخرة قد يزيله قليل من أمر الدنيا ، وإن قليلا من أمر الدنيا قد لا يزيله الكثير من أمر الآخرة ، هذا لعزة شأن الآخرة وقلة النصيب منها ، وللؤم شأن الدنيا ودناءتها