شرح
الاستقصاء والاستيفاء ، ودوام حفظ اللّه تعالى إياه في السراء والضراء ، ومن شرط الولىّ أن يكون محفوظا كما أن من شرط النبي أن يكون معصوما ، فكل من كان للشرع عليه اعتراض فهو مغرور مخدوع ، قال سمعت الأستاذ أبا علىّ الدقاق يقول : قصد أبو يزيد البسطامي بعض من وصف بالولاية فلما وافى مسجده قعد ينتظر خروجه ، فخرج الرجل وتنحم في المسجد فانصرف أبو يزيد ولم يسلم عليه . وقال : هذا رجل غير مأمون على أدب من آداب الشريعة ، فكيف يكون أمينا على أسرار الحق التي وهبها لأوليائه . قال شيخ الإسلام : والغرض من ذلك تحذير الناس من الاغترار بجمال الأفعال وحسن المقال ، وجريان خوارق العادات ، وانتشار الثناء ، وشيوع الذكر في الخلق من غير استقامة ؛ فلا يراعى في الولىّ إلا الاستقامة على ما ثبت بالأدلة الصحيحة وجريان خوارق العادة على يد العبد لا يدل على ولايته ، بل قد يكون ممكورا به وكذابا على ربه ، ويكفى في ذلك دليلا خروج الدجال في آخر الزمان ومعه جنة ونار ويحيى ويميت ، وهو عدوّ الرحمن . قال الأستاذ أبو القاسم : واختلفوا في أن الولىّ هل يجوز أن يعلم أنه ولىّ أم لا ؟ فمنهم من قال لا يجوز ذلك ، وقال إن الولىّ يلاحظ نفسه بعين التصغير ، وإن ظهر عليه شئ من الكرامات خاف أن يكون مكرا ، وهو يستشعر الخوف دائما أبدا ، وإنما يخاف سقوطه عما هو فيه وأن تكون عاقبته بخلاف حاله ، وهؤلاء يجعلون من شرط الولاية وفاء المآل ، وقد ورد في هذا الباب حكايات كثيرة عن الشيوخ ، وإليه ذهب من شيوخ هذه الطائفة جماعة لا يحصون ، ولو اشتغلنا بذكر ما قالوا لخرجنا عن حد الاختصار ، ومنهم من قال يجوز أن يعلم الولىّ أنه ولىّ ، وليس من شرط الولاية في الحال الوفاء في المآل ؛ ثم إن كان ذلك من شرطه أيضا فيجوز أن يكون هذا الولىّ خص بكرامة هي تعريف الحق إياه أنه مأمون العاقبة ، إذ القول بجواز كرامات الأولياء واجب ، وهو وإن فارقه خوف العاقبة فما هو عليه من الهيبة والتعظيم والإجلال في الحال أتم وأشد . فإن اليسير من التعظيم والهيبة أهدى للقلوب من كثير من الخوف ، ولما قال صلّى اللّه عليه وسلّم « عشرة في الجنة من أصحابه » فالعشرة لا محالة صدقوا الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وعرفوا سلامة عاقبهم ثم لم يقدح ذلك في حالهم ، ولأن من شرط صحة المعرفة بالنبوة الوقوف على حد المعجزة ، ويدخل في جملته العلم بحقيقة الكرامات ، فإذا رأى الكرامات ظاهرة عليه لا يمكنه أن لا يميز بينها وبين غيرها ، فإذا رأى شيئا من ذلك علم أنه في الحال على الحق ؛ ثم يجوز أنه يعرف أنه في المآل يبقى على هذه الحالة ويكون هذا التعريف كرامة له ، والقول بكرامات الأولياء صحيح وكثير من حكايات القوم تدل على ذلك كما هو مبسوط في محله ، وإلى هذا القول كان يذهب من الشيوخ الأستاذ أبو علي الدقاق رحمه اللّه تعالى . وقيل : إن إبراهيم بن أدهم قال لرجل أتحب أن تكون للّه وليا ؟ فقال نعم ، فقال لا ترغب في شيء من الدنيا والآخرة ، وفرّغ نفسك للّه تعالى وأقبل بوجهك عليه ليقبل عليك ويواليك . وقال يحيى بن معاذ في صفة الأولياء :