تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 185

مساهمون:

ص١٨٥
صلّى اللّه عليه وسلّم وعلى آله ثمّ تستغفر لجميع المؤمنين والمؤمنات
شرح
بالنبوة الكلية المطلقة ، فلا يشارك فيها ولا في حملها عليه حمل اشتقاق ، فأل للعهد الذهني ، وقد يقال للعهد الحضوري : أي النبي الحاضر بين أظهر المخاطبين حينئذ . وعن أبي عثمان الواعظ قال : سمعت سهل بن محمد يقول هذا التشريف الذي شرف اللّه تعالى به محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله« إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ »الآية أتمّ وأجمع من تشريف آدم عليه الصلاة والسّلام بأمر الملائكة بالسجود له ، لأنه لا يجوز أن يكون اللّه مع الملائكة في ذلك التشريف ، فتشريف يصدر عنه أبلغ من تشريف تختص به الملائكة . وقال أبو الليث السمرقندي رحمه اللّه إذا أردت أن تعرف أن الصلاة على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أفضل من سائر العبادات فانظر هذه الآية ، فأمر اللّه عباده بسائر العبادات ، وصلى عليه بنفسه أولا ، وأمر ملائكته بالصلاة عليه ، ثم أمر المؤمنين بأن يصلوا عليه انتهى ، والاغتنام للاكثار من الصلاة عليه صلّى اللّه عليه وسلّم والجمع لذكره صلّى اللّه عليه وسلّم مع ذكر ربه عز وجل تأسيا بقوله تعالى« وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ »فقد روى جماعة من حديث أبي سعيد رضى اللّه عنه أن معناه : لا أذكر إلا ذكرت معي ، وللأداء لبعض ما يجب له صلّى اللّه عليه وسلّم ، إذ هو الواسطة بين اللّه سبحانه وتعالى وبين العباد وجميع النعم الواصلة إليهم التي أعظمها الهداية للاسلام إنما هي ببركته وعلى يديه . وقد قال صلّى اللّه عليه وسلم « لا يشكر اللّه من لا يشكر الناس » والقيام برسم العبودية بالرجوع لما يقتضى الأصل نفيه فهو أبلغ في الامتثال ، ومن أجل ذلك كانت فضيلة الصلاة على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم علي كل عمل ، والذي يقتضى الأصل نفيه هو كون العبد يتقرب إلى اللّه تعالى بالاشتغال بحق غيره ، لأن قولنا : اللهم صل على محمد هو اشتغال بحق محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأصل التعبدات أن لا يتقرب إلي اللّه تعالى إلا بالاشتغال بحقه ، ولكن لما كان الاشتغال بالصلاة على محمد صلّى اللّه عليه وسلم بإذن من اللّه تعالى كان الاشتغال بها أبلغ في امتثال أمر الآمر بها ، فهي بمثابة أمر اللّه سبحانه للملائكة بالسجود لآدم عليه وعليهم الصلاة والسّلام ، فكان شرفهم في امتثال أمر اللّه تعالى ، وكانت إهانة إبليس لعنه اللّه في مخالفة أمره سبحانه ، والامتثال لأمر اللّه تعالى في قوله تعالى« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ». وقد قال القاضي أبو بكر بن بكير في الآية : افترض اللّه تعالى على خلقه أن يصلوا على نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم ويسلموا تسليما ولم يجعل لذلك وقتا معلوما فالواجب أن يكثر المرء منها ولا يغفل عنها ، كذا ذكره العلامة ابن يوسف الفاسي ( صلى اللّه عليه وسلم ، و ) تصلى وتسلم ( على آله ) بدون الصحب لانطباق لفظ الآل عليهم ، أو اقتصارا على مورد النص ( ثم تستغفر لجميع المؤمنين والمؤمنات ) من الإنس والجن ، ويحتمل شمول الأمم الماضية ، وهو ظاهر حديث أنس الآتي ، وذلك لما ينبغي له أن يعم في دعائه جميع المؤمنين . وقد قال تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم « واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات » . وقال إخبارا عن نوح عليه السّلام في دعائه « رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات »
سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 185 | السيد احمد بن زيني دحلان