تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧

[ باب شرح العقبة الثالثة وهي عقبة العوائق ]

وبليّتها في الدّنيا والآخرة . وكنت قد قطعت هذه العقبة بإذن اللّه سبحانه وتعالى ، واللّه ولىّ الهداية بمنّه وفضله . ( العقبة الثّالثة : وهي عقبة العوائق ) ثمّ عليك يا طالب العبادة - وفّقك اللّه تعالى - بدفع العوائق حتّى تستقيم عبادتك وقد ذكرنا أنّ العوائق أربعة : أحدها الدّنيا وما فيها
شرح
( و ) من ( بليتها ) أي عذابها كما في شرح الدلائل ( في الدنيا ) بأن يعافيك من محنها وشدائدها ( والآخرة ) بأن لا يؤاخذك بذنوبك ولا يوبقك بأعمالك ( وكنت قد قطعت ) أي جاوزت ( هذه العقبة ) أي عقبة التوبة ( بإذن اللّه ) أي بإرادته ( سبحانه وتعالى ، واللّه ولىّ الهداية ) أي متولى دلالة الخلق على سلوك سبيل الهدى ( بمنه ) أي بإنعامه وإحسانه ( وفضله ) أي ما تفضل به على عباده من إسداء غاية الإحسان إليهم ، وفيه رد على المعتزلة الذين يوجبون فعل الصلاح والأصلح على اللّه تعالى ، واللّه سبحانه وتعالى أعلم . هذا باب شرح ( العقبة الثالثة ) من السبع المتقدمة ( وهي عقبة العوائق ) أي الموانع ( ثم عليك ) أي الزم ( يا طالب العبادة وفقك اللّه تعالى ) جملة دعائية ( بدفع العوائق حتى تستقيم عبادتك ) أي تعتدل ، وذلك زوال الاعوجاج والميل ، ويقال الاستقامة في الأقوال بترك الغيبة وفي الأفعال بنفي البدعة ، وفي الأعمال بنفي الفترة ، وفي الأحوال بنفي الحجبة ( وقد ذكرنا ) من قبل ( أن العوائق ) أي الموانع الشاغلة عن العبادة ( أربعة : أحدها الدنيا وما فيها ) فإنها قطعت الطريق على عباد اللّه ولذلك لم ينظر اللّه إليها نظر عناية منذ خلقها ، كما ورد ذلك في الخبر : إلا ما يعين على أعمال الآخرة كقدر القوت من الطعام الذي به يتغذى ، ومن الماء الذي به يروى ، والقميص الواحد الخشن الذي يوارى عورته ، وكل ما لا بد منه ليتأتى للانسان البقاء والصحة التي بها يتوصل إلى العلم والعمل فان ذلك ليس من الدنيا ، لأنه معين عليهما ، فمهما تناوله العبد بما لا يمكن التبلغ بأقل منه على قصد الاستعانة به على العلم والعمل فمعذور بل مشكور ومأجور ، ولم يكن به متناولا للدنيا ، ولم يصربه من أبناء الدنيا ولم يلحقه الذم وان كان باعثه الحظ العاجل دون الاستعانة علي التقوى صار من جملة أبناء الدنيا المذمومة ، ولو كان المتناول حقيرا في نفسه ، وبالجملة لا يبقى مع العبد عند الموت إلا ثلاث صفات : الأولى صفاء القلب : أي طهارته من أدناس الدنيا وأوساخها . والثانية أنسه بذكر اللّه تعالى . والثالثة حبه اللّه تعالى ، وصفاء القلب وطهارته لا يحصلان إلا بالكف عن شهوات الدنيا وحظوظها ، والأنس لا يحصل إلا بكثرة ذكر اللّه والمواظبة عليه ، والحب لا يحصل إلا بالمعرفة ، إذ من لم يعرف لم يحب ، ولا تحصل معرفة اللّه إلا بدوام الفكر في جلال اللّه وعظمته ، وهذه الصفات الثلاث هي المنجيات المسعدات للعبد بعد الموت كما ذكره المصنف
سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 187 | السيد احمد بن زيني دحلان