تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
رحيم ، ثمّ تدعو دعاء الشّدّة وهو : يا محلى عظائم الأمور يا منتهى همّة المهمومين ، يا من إذا أراد أمرا فإنّما يقول له كن فيكون أحاطت بنا ذنوبنا أنت المذخور لها يا مذخورا لكلّ شدّة كنت أدّخرك لهذه السّاعة فتب علىّ إنّك أنت التّوّاب الرّحيم ، ثمّ أكثر من البكاء والتّذلّل والتّضرّع وقل : يا من لا يشغله شأن عن شأن ولا سمع عن سمع ،
شرح
بفضله مؤنة الأشغال ( رحيم ) الذي رحمته الخاصة لخواص عباده من المؤمنين ( ثم تدعو دعاء الشدة ) أي الكربة ( وهو : يا مجلى عظائم الأمور ) أي يا مظهر كبائرها ( يا منتهى همة المهمومين ) أي غاية عزم الذين يتصفون بالهموم والأحزان ( يا من إذا أراد أمرا ) أي شيئا : أي خلق شئ ( فإنما يقول له كن فيكون ) أي فهو يكون : أي يحدث ، ومعنى يقول كن : يكوّنه ، فهو تمثيل لتأثير قدرته تعالى في مراده بأمر المطاع للمطيع في حصول المأمور من غير امتناع وتوقف وافتقار إلى أولية عمل ، واستعمال آلة قطعا لمادة الشبهة ، وقياس قدرة اللّه على قدرة الخلق كما قاله القارى ، فمعنى يقول له كن أن تتعلق به قدرته تعلقا تنجيزيا ، والإرادة نزوع : أي اشتياق النفس وميلها إلى فعل بحيث يحملها عليه ، أو هي قوة هي مبدأ النزوع ، والأول مع الفعل ، والثاني قبله ، وكلاهما مما لا يتصور في حق اللّه تعالى ، وإرادته تعالى ترجيح أحد مقدوريه على الآخر بالإيقاع أو معنى يوجب هذا الترجيح ، بخلاف القدرة فإنها لا تخصص الفعل ببعض الوجوه ، بل هي موجدة للفعل مطلقا ، ومعلوم أن الإرادة صفة ذاتية قديمة زائدة على العلم ( أحاطت بنا ذنوبنا أنت المذخور لها ) أي أنت المختار لغفران الذنوب ( يا مذخورا لكل شدة كنت أدخرك ) أي أختارك أو أتخذك أو أجعلك ذخيرة نافعة ( لهذه الساعة ) أي زمن الشدة والكربة ( فتب علىّ ) أي تقبل توبتي ( إنك أنت التواب الرحيم ، ثم أكثر ) أيها العبد المذنب ( من البكاء والتذلل ) والتواضع والخضوع والخشوع ( والتضرع ) أي الخلوص في الدعاء ( وقل : يا من لا يشغله شأن عن شأن ) آخر . بخلاف المخلوق إذا كان في شغل يشغله عن شغل آخر ، فإنه إذا فرغ من ذلك الشغل شرع في آخر ( ولا ) يشغله سبحانه ( سمع عن سمع ) أي مسموع آخر ، بل هو تعالى كل يوم في شأن . قال سفيان بن عيينة : الدهر كله عند اللّه يومان : أحدهما مدة أيام الدنيا ، والآخر مدة الآخرة ، وشأنه في يوم الدنيا الاختبار بالأمر والنهى ، والإحياء والإماتة ، والإعطاء والمنع وغير ذلك ، وشأنه في يوم القيامة : الجزاء والحساب ، والثواب والعقاب وغير ذلك ، وقيل شأنه تعالى أنه يخرج في كل يوم ثلاثة عساكر : عسكرا من أصلاب الآباء إلى أرحام الأمهات ، وعسكرا من الأرحام إلى الدنيا . وعسكرا من الدنيا إلى القبور ، ثم يرتحلون جميعا إليه تعالى ، كذا ذكره الخازن . وفي الحديث « من شأنه أن يغفر ذنبا ، ويفرج كربا ، ويرفع قوما ويضع آخرين »