رجع إلى بابك ، عبدك العاصي ، رجع إلى الصّلح عبدك المذنب أتاك بالعذر فاعف عنّى بجودك وتقبّلنى بفضلك وانظر إلىّ برحمتك ، اللّهمّ اغفر لي ما سلف من الذّنوب واعصمني فيما بقي من الأجل فإنّ الخير كلّه بيدك وأنت بنا رؤوف
شرح
ذهابه من غير خوف ولا كدّ عمل وإلا فهو هارب ، وذكره ابن الملقن في الإشارة : أي عبدك الهارب منك يا رب ( رجع إلي بابك ) أي باب رحمتك ، إلهي ( عبدك العاصي رجع إلي الصلح ) إلهي ( عبدك المذنب ) أي متحمل الذنب ( أتاك بالعذر ) أي الاعتذار ( فاعف عنى ) أي امح عنى جميع ما اقترفته من المعاصي والزلات ( بجودك ) وعطائك ( وتقبلني بفضلك ) أي إحسانك ( وانظر إليّ برحمتك ) ولا تنظر على بغضبك ( اللهم ) فيه مذهبان للنحويين ، فقال الفراء والكوفيون : إن أصله يا أللّه أم بخير فكره استعماله ، فحذفت الهمزة تخفيفا ، وتركت الميم مفتوحة وقال الخليل والبصريون : إن أصله يا أللّه ، فلما استعملت الكلمة دون حرف النداء الذي هو يا عوضوا منه هذه الميم المشددة ، والضمة في الهاء هي ضمة الاسم المنادى المفرد ، وذهب حرفان فعوض بحرفين ، والميم مفتوحة لسكونها وسكون الميم قبلها ، ولا يقال : يا اللهم لئلا يجمع بين البدل والمبدل منه ، وقد سمع في الشعر ، وأنكره الزجاج ، واللّه أعلم ، ذكره العلامة الفاسي ( اغفر لي ما سلف من الذنوب واعصمني ) أي احفظنى ( فيما بقي من الأجل ) أي من العمر ( فإن الخير ) أي الشر ( كله بيدك ) أي بقدرتك ، هذا ما عليه الخلف من التأويل ، وأما مذهب السلف فهو جرى على ظاهره من إثبات يدله تعالى منزه عن سمات الحدوث . قال بعضهم : طريقة السلف أسلم ، وطريقة الخلف أحكم ، ورد غيره بأنه غير مستقيم لأنه ظن أن طريقة السلف مجرّد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه في ذلك ، وأن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع المجازات ، فجمع هذا القائل بين الجهل بطريقة السلف والدعوى في طريقة الخلف ، وليس الأمر كما ظن ، بل السلف في غاية المعرفة بما يليق باللّه تعالي وفي غاية التعظيم له ، والخضوع لأمره ، والتسليم لمراده ، وليس من سلك طريقة الخلف واثقا بأن الذي يتأوله هو المراد ، ولا يمكنه القطع بصحة تأويله انتهى ، ولهذا قال إمام الحرمين في الرسالة النظامية بعد حكاية الطريقتين : والذي نرتضيه رأيا وندين اللّه به عقيدة اتباع سلف الأمة للدليل القاطع أن إجماع الأمة حجة ، فلو كان تأويل هذه الظواهر حتما فلا شك أن يكون اهتمامهم به فوق اهتمامهم بفروع الشريعة ، وإذا انصرم عصر الصحابة والتابعين على الإضراب عن التأويل كان ذلك هو الوجه المتبع واللّه أعلم ، كذا أفاده بعض المحققين ( وأنت بنا رؤوف ) من الرأفة وهي شدة الرحمة . قال الجمل : الرؤوف : ذو الرأفة ، وهي نهاية الرحمة ، فهو أخص من الرحيم وهو المعطف على المذنبين بالتوبة ، وعلى الأولياء بالعصمة ، وقيل : هو الذي ستر ما رأى من العيوب ثم عفا عما ستر من الذنوب ، وقيل : الذي صان أولياءه عن ملاحظة الأشكال ، وكفاهم