ذلك ثمّ تذهب فتغتسل وتغسل ثيابك وتصلّى أربع ركعات كما يجب ، وتضع وجهك على الأرض في مكان خال لا يراك إلّا اللّه سبحانه وتعالى ثمّ تجعل التّراب على رأسك وتمرّغ وجهك الّذى هو أعزّ أعضائك في التّراب بدمع جار وقلب حزين وصوت عال وتذكر ذنوبك واحدا واحدا ما أمكنك وتلوم نفسك العاصية عليها وتوبّخها وتقول : أما تستحين يا نفس ، أما آن لك أن تتوبى ، ألك طاقة بعذاب اللّه سبحانه ، ألك حاجة بسخط اللّه سبحانه ، وتذكر من هذا كثيرا وتبكى . ثمّ ترفع يديك إلى الرّبّ الرّحيم سبحانه وتقول : إلهي عبدك الآبق
شرح
ذلك ) أي البواقي ( ثم تذهب فتغتسل ) أي بدنك ( وتغسل ) بكسر السين من باب ضرب كما في المختار ( ثيابك وتصلى أربع ركعات كما يجب ) في التطويل والقراءة كما في سراج السالكين .
قال الشعراني : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول « ما من عبد يذنب ذنبا ثم يقوم فيتطهر ثم يصلى ثم يستغفر اللّه إلا غفر له ثم يقرأ :وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْالآية » . وفي رواية « ثم يصلى ركعتين أو أربعا مفروضة أو غير مفروضة » .
وكان ثوبان رضى اللّه عنه يقول : التوبة من الذنب هي أن تتوضأ وتصلى ، ثم يقول : سمعته من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ( وتضع وجهك على الأرض في مكان خال ) عن الناس حيث ( لا يراك ) فيه ( إلا اللّه سبحانه وتعالى ، ثم تجعل التراب على رأسك وتمرغ ) بصيغة المضارع : أي تمعك وتدلك ( وجهك الذي هو أعز أعضائك في التراب ) مع البكاء ( بدمع جار ) أي سيلان ( وقلب حزين ) أي شديد الحزن على ما فرط من التقصير في عبادة مولاك المقتدر ( وصوت عال وتذكر ) أي في قلبك ( ذنوبك واحدا واحدا ) على التفصيل ( ما أمكنك وتلوم ) أي تذم ( نفسك ) الأمارة بالسوء ( العاصية عليها ) أي على صاحبها ، لأن النفس مجبولة على سوء الأدب والعبد مأمور بملازمة الأدب ، فالنفس تجرى بطبعها في ميدان المخالفة ، والعبد يردها بجهده عن سوء المطالبة ، فمن أطلق عنانها فهو شريكها في فسادها كما قاله ابن عطاء ( وتوبخها وتقول : أما تستحين يا نفس ) من خالقك ومولاك إذ قد فعلت كذا وكذا من الذنوب ( أما آن لك ) أي حان أي أما جاء لك وقت ( أن تتوبى ) إلى خالقك ( ألك طاقة ) أي قوة ( بعذاب اللّه سبحانه ألك حاجة ) وفي نسخة حاجز : أي مانع ( بسخط اللّه سبحانه وتذكر من هذا ) أي المذكور من عذاب اللّه وسخطه ( كثيرا ) أي ذكرا كثيرا في قلبك ( وتبكى ثم ترفع يديك إلى الرب ) الغفور ( الرحيم سبحانه وتقول : إلهي ) أي يا معبودى بحق ( عبدك الآبق ) بالمد . قال أهل اللغة :
يقال أبق العبد : إذا هرب من سيده بفتح الباء يأبق بضمها وكسرها فهو آبق ، وحكى ابن فارس أبق العبد بكسر الباء يأبق بفتحها . قال الثعالبي في سر اللغة : لا يقال للعبد آبق إلا إذا كان