[ بيان أن العبادة ثمرة العلم وفائدة العمر الكلام على أولياء اللّه تعالى رضى اللّه عنهم ]
اعلموا إخواني أسعدكم اللّه وإيّاى بمرضاته أنّ العبادة ثمرة العلم وفائدة العمر وحاصل العبيد الأقوياء وبضاعة الأولياء
شرح
المنهى : أي اجتناب الحرام ، وصحة العقد : أي جزمه بما عليه أهل السنة من التوحيد ، كذا ذكره الحجازي ( اعلموا ) نزل المصنف رحمه اللّه تعالى لفظة اعلم المسند لضمير الجمع منزلة « أما بعد » في الدلالة على الشروع في المقصود لنكتة حسنة ، وهي التنبيه على أن غير العلم لا يطلبه العاقل ولا يرضاه سببا : أي حرفة وصنعة ، لأن في الاشتغال بالعلم مع الإخلاص سعادة الدارين خصوصا العلم الموصل إلى معرفة اللّه تعالى ، وبهذا يجاب عن الاعتراض على المصنف في مخالفته لغيره في تعبيره بذلك دون أما بعد ، وحاصل ذلك الاعتراض أن الاتباع خير من الابتداع . فحاصل الجواب أن ذلك الابتداع للنكتة المذكورة فتأمل ( إخواني ) أي يا إخواني فهو نداء تعطف وشفقة ليكون أدعى إلى الامتثال والقبول . قال اللّه تعالى« ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ »والإخوان بكسر الهمزة على الأشهر وضمها لغة ضعيفة جمع أخ ، والأخ يطلق على من شاركك في رحم أو في صلب أو فيهما معا أو في رضاع ، ويطلق على من شاركك في صفة حميدة كالإسلام ، وهو المراد هنا وأكثر ما يجمع أخ على إخوان في الصدقة ، وفي النسب على إخوة ؛ وقد يجمع أخ على إخوة في الصداقة ، ومنه قوله تعالى« إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ »قاله العلامة يوسف في حواشي العشماوية ( أسعدكم اللّه ) أي أعطاكم اللّه السعادة ( وإياي بمرضاته ) جملة دعائية ( أن العبادة ) وهي القيام بالفعل المطلوب شرعا ( ثمرة العلم ) الذي هو الأصل الأعظم في كل مقام من مقامات الإيمان ، ولولاه لم تكن عبادة ( وفائدة العمر ) النفيس ، وبهذا يعلم أن العمر الخالي عن العبادة لا ينال فائدة ولا نفعا ، بل الخسران مآله ومرجعه وهو ظاهر ( وحاصل العبيد ) أي ما يحصل لهم من اجتهادهم في طلبها وهو بمعنى العباد جمع عابد من العبادة بمعنى الخدمة والطاعة إلا أنه أبلغ كما ذكره الفاسي ( الأقوياء ) جمع قوىّ ضد الضعيف : وهم من بذلوا نفوسهم في الطاعة يبتغون فضلا من اللّه تعالى ( وبضاعة الأولياء ) والبضاعة في الأصل : قطعة وافرة من المال تقتنى للتجارة . قاله العلامة الزبيدي . والأولياء جمع ولىّ : وهو العارف باللّه وصفاته حسبما يمكن المواظب على الطاعات ، المجتنب المعاصي ، والمعرض عن الانهماك في اللذات والشهوات كما قاله العلامة ابن المدابغى نقلا عن السعد ، ففعيل بمعنى فاعل ؛ وعلم منه أن تعاطى الشهوات لا ينافي الولاية ، أو من تولى اللّه أمره فلم يكله لنفسه ، ففعيل بمعنى مفعول . قال الأستاذ أبو القاسم : الولي له معنيان : أحدهما فعيل بمعنى مفعول ، وهو من يتولى اللّه سبحانه أمره . قال اللّه تعالى« وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ »فلا يكله إلى نفسه لحظة ، بل يتولى الحق سبحانه رعايته ، والثاني فعيل مبالغة من الفاعل ، وهو الذي يتولى عبادة اللّه تعالى وطاعته ، فعبادته تجرى على التوالي من غير أن يتخللها عصيان ، وكلا الوصفين واجب حتى يكون الولي وليا يجب قيامه بحقوق اللّه تعالى على