تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 177

مساهمون:

ص١٧٧

[ إذا كان هذا حاله عز وجل مع نبيه وصفيه آدم في ذنب واحد فكيف حال الغير مع ذنوب لا تحصى ؟ ]

هذا حاله مع نبيّه وصفيّه في ذنب ، واحد فكيف حال الغير في ذنوب لا تحصى ؟ وهذا تضرّع التّائب وابتهاله ، فكيف بالمصرّ المتعسّف ؟ ولقد أحسن من قال :
يخاف على نفسه من يتوب * فكيف ترى حال من لا يتوب
فإن تبت ثمّ نقضت التّوبة وعدت إلى الذّنب ثانيا فعد إلى التّوبة مبادرا
شرح
والسجود للصورة بغير علمه لا يضره ، كذا ذكره البيضاوي ، وقيل لأن المرأة سألته أن يحكم لأبيها ، فقال نعم ولم يفعل ، وقيل بل أحب بقلبه أن يكون الحكم لأبيها على خصمه لمكانها منه ؟ هكذا ذكره في القوت ، فسلب ملكه أربعين يوما ، فهرب تائها على وجهه ؛ فكان يسأل بكفه فلا يطعم ، فإذا قال : أطعموني فإني سليمان بن داود : شج وطرد وضرب . وحكي أنه استطعم من بيت لامرأته فطردته وبصقت في وجهه . وفي رواية « أخرجت عجوز جرة فيها بول فصبته على رأسه إلى أن أخرج اللّه له الخاتم من بطن الحوت فلبسه بعد انقضاء الأربعين أيام العقوبة . قال : فجاءت الطيور فعكفت على رأسه ؛ وجاءت الجن والشياطين والوحوش فاجتمعت حوله ؛ فاعتذر إليه بعض من كان جنى عليه ، فقال : لا ألومكم فيما فعلتم من قبل ، ولا أحمدكم في عذركم الآن ؛ إن هذا أمر كان من السماء ولا بد منه » . وقيل : كان إبراهيم الخليل صلوات اللّه عليه وسلامه إذا ذكر خطيئته يغشى عليه ويسمع اضطراب قلبه ميلا في ميل ، فيأتيه جبريل فيقول له ربك يقرئك السّلام ويقول : هل رأيت خليلا يخاف خليله ؟ فيقول يا جبريل : إني إذا ذكرت خطيئتي نسيت خلتي . رواه ابن أبي الدنيا في كتاب [ الخائفين ] . ( هذا ) أي الذي ذكرناه ( حاله ) عز وجل ( مع نبيه وصفيه في ذنب واحد ) مع أنهم أعرف خلق اللّه باللّه وصفاته ، وقس نفسك وتأمل في قصورك عن لحوق درجاتهم ، صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين ( فكيف حال الغير في ) ارتكاب ( ذنوب لا تحصى ، وهذا ) أي بكاء آدم وغيره عليهم السّلام ( تضرع التائب وابتهاله ) إلى مولاه الغفور الرحيم ( فكيف ) الحال ( بالمصرّ ) أي المقيم على الذنوب الغافل عن ستار العيوب ( المتعسف ) أي الخارج عن الطريق الظاهر كما قاله الشبراملسى . وفي المختار : العسف الأخذ على غير الطريق وبابه ضرب ، وكذا التعسف والاعتساف ( ولقد أحسن من قال ) شعرا من بحر المتقارب ( يخاف على نفسه ) الضمير عائد إلى متأخر في اللفظ متقدم في الرتبة ، لأن قوله من يتوب فاعل لقوله يخاف ، فرتبته التقدم على قوله على نفسه ( من يتوب ) إلى اللّه ( فكيف ترى حال من لا يتوب ) بل ينهمك في شهوته ، ويغفل عن عاقبة أمره لجهله بربه تعالى ، وهذا جدير بأن يعذبه اللّه عذابا أليما إن لم يرحمه أرحم الراحمين ( فإن تبت ) توبة صحيحة بتوفر شروطها ( ثم نقضت التوبة . و ) ذلك بأن ( عدت إلي الذنب ) الذي ارتكبته بعدها ( ثانيا ) فإنه لا بضر توبة مضت ، بل المعاودة ذنب آخر تجب منه التوبة كما أشار بقوله ( فعد إلى التوبة مبادرا )