[ قال الامام الغزالي ناقش نفسك وحاسبها وسارع إلى التوبة فالأجل مكتوم والدنيا غرور الخ ]
قال : زارني أخ لي في اللّه فاشتريت له سمكا فأكل ثمّ قمت إلى حائط جارى فأخذت منه قطعة طين فغسل بها يده . فناقش نفسك وحاسبها وسارع إلى التّوبة وبادر فإنّ الأجل مكتوم ، والدّنيا غرور ،
شرح
كنية كهمس بن الحسن ( قال : زارني أخ لي في ) دين ( اللّه فاشتريت ) بدانق ( له ) أي لإكرام أخي كما هو حق المضيف ( سمكا ) مشويا وقدمت إليه ( فأكل ) أخي ( ثم قمت إلى حائط جارى فأخذت منه قطعة طين فغسل ) أي أخي ( بها ) أي القطعة ( يده ) ولم أستحله قبل أخذي له كما قاله القشيري في الرسالة ، قال شيخ الاسلام : فبكاؤه على أخذه مع علمه بتحريمه ، وترك الاستحلال قبل أخذه ، وفي ذلك دلالة علي غاية احترازه من الذنوب المستحقرة عند الناس .
ورؤي عتبة الغلام بمكان يتصبب عرقا في الشتاء ، فقيل له في ذلك ؟ فقال : إنه مكان عصيت اللّه فيه ، فسئل عنه ؟ فقال : كشطت من هذا الجدار قطعة طين غسل بها ضيف لي يده ولم أستحل من صاحبه . قيل : وكان رجل من الصالحين يكتب رقعة وهو في بيت بكراء ، فأراد أن يترب الكتاب من جدار البيت ، فخطر بباله أن البيت بالكراء ، ثم إنه خطر بباله أنه لا خطر لهذا ، فترب الكتاب ، فسمع هاتفا يقول : سيعلم المستخف بالتراب ما يلقاه غدا من طول الحساب . قال شيخ الإسلام : في ذلك تنبيه علي رفعة منزلة هذا الرجل عند اللّه تعالى لكونه نبه هذا العبد في مثل ذلك . قال المصنف ( فناقش ) أي فبعد أن عرفت هذه القصة ناقش ، أمر من المناقشة ، بمعنى الاستقصاء في الحساب حتى لا يترك منه شئ ( نفسك وحاسبها ) أي قبل أن تحاسب يوم القيامة ( وسارع إلى التوبة ) قبل انقضاء عمرك ( وبادر ) أي سارع إليها ( فان الأجل ) أي مدة حلول الموت ( مكتوم ) أي مستور ، فلا بد من هجومه على كل حال ، فالاستعداد له بالتوبة النصوح والعمل الصالح أحق من الاستعداد بالدنيا الزائدة على قدر الحاجة ، وأنت تعلم علم اليقين أنك لا تبقى في دار الدنيا إلا مدة قليلة ، ولعله لم يبق من مدة حياتك إلا يوم واحد أو نفس واحد ، فقدر هجوم الموت في لحظتك أو في وقتك في قلبك كل يوم . قال صلّى اللّه عليه وسلّم « تحفة المؤمن الموت » وإنما قال هذا لأن الدنيا سجن المؤمن ، إذ لا يزال فيها في تعب من تحمل مشقة نفسه وكسر شهواته ، ومدافعة شيطانه ، فالموت إطلاق له من هذا العذاب ، والإطلاق تحفة : أي هدية في حقه . وكان الربيع بن خثيم يقول : لو فارق ذكر الموت قلبي ساعة واحدة لفسد ، وكلف نفسك الصبر على طاعة اللّه يوما فيوما ، ولا تشتغل بالدنيا لأنها غرة : أي سبب في الاغترار بها كما أشار بقوله رحمه اللّه ( والدنيا ) أي متاعها وزهرتها ، وكل ما يمكن أن يكون للنفس فيه حظ ( غرور ) بضم الغين : أي خديعة لأنها حسنة الظاهر قبيحة الباطن كما قيل :على وجه مى مسحة من ملاحة * وتحت الثياب العار لو كان باديافهي من حيث ظاهرها محبوبة خضرة ، وبالنظر إلي باطنها جيفة قذرة ، فالنفس تنظر زينتها