وعلامة سواد القلب أن لا تجد من الذّنوب مفزعا ولا للطّاعة موقعا ولا للموعظة منجعا ولا تستحقرن من الذّنوب شيئا فتحسب نفسك تائبا وأنت مصرّ على الكبائر . فلقد بلغنا عن كهمس بن الحسن أنّه قال : أذنبت ذنبا فأنا أبكى عليه منذ أربعين سنة ، قيل ما هو يا أبا عبد اللّه ؟
شرح
أي خلطه هوى : أي ميل نفساني طاولته بفكرتى حتى تولد منه شهوة الرجل ، فوقعت في الأرض واسود جسدي كله ، فاستترت في البيت فلم أخرج ثلاثة أيام ، وكنت في أثناء هذه الأيام أعالج في الحمام بالصابون والألوان الغاسلة فلا يزداد إلا سوادا ، ثم انكشف عنى بعد ثلاث ، فرجعت إلى لون البياض ، فلقيت أبا القاسم الجنيد رضى اللّه عنه وكان قد وجه إلى ، فأشخصنى من الرقة ، فلما أتيته قال : أما استحييت من اللّه تعالي كنت قائما بين يديه ؟ فساررت نفسك بشهوة حتى استولت عليك برقة وأخرجتك من بين يدي اللّه تعالى ، فلو لا أنى دعوت اللّه لك وتبت إليه عنك للقيت اللّه بذلك اللون ، قال : فعجبت كيف علم بذلك وهو ببغداد وأنا بالرقة وبينهما مسافة ولم يطلع إلا اللّه تعالى ، فذكر ذلك لبعض الأولياء ، فقال : هذا رفق من اللّه تعالى به وخيرة له إذا لم يسود قلبه ، وظهر السواد على جسده ، ولو بطن في قلبه لأهلكه ، ثم قال : ما من ذنب يرتكبه يصر عليه إلا اسود القلب مثل سواد الجسم الذي ذكر ولا يجلوه إلا التوبة ، ولكن ليس كل عبد يصنع به صنع ابن علوان ، ولا يجد من يتيقظ له مثل أبى القاسم الجنيد رحمه اللّه تعالى ، ولذلك قال أبو حامد الغزالي رحمه اللّه : اعلم أنه لا يذنب العبد ذنبا إلا ويسود وجه قلبه ، فإن كان سعيدا ظهر السواد على ظاهره لينزجر ، وإن كان شقيا أخفى عنه حتى ينهمك ويستوجب النار ( وعلامة سواد للقلب أن لا تجد من ) ارتكاب ( الذنوب مفزعا ) أي خوفا بل سرورا ( ولا للطاعة موقعا ) أي قدرا وتأثيرا ( ولا للموعظة ) أي النصيحة والتذكرة بالعواقب ( منجعا ) أي مدخلا وتأثيرا ظاهرا ، بل من شؤم الذنب في الدنيا علي الجملة كما قاله أبو حامد الغزالي أن يكسب ما بعده صفته ، فإن ابتلى بشئ كان عقوبة له ، ويحرم جميل الرزق حتى يتضاعف شقاؤه ، وإن أصابته نعمة كانت استدراجا له ، ويحرم جميل الشكر حتى يعاقب على كفرانه ، هذا حال العاصي ، وأما المطيع فمن بركة طاعته أن تكون كل نعمة في حقه جزاء علي طاعته ويوفق لشكرها ، أو تكون كل بلية كفارة لذنوبه وزيادة في درجاته ( ولا تستحقرن من الذنوب شيئا ) ولو قليلا صغيرا ، لأن معظم النار من مستصغر الشرر كما قاله بعضهم ( فتحسب ) بفتح السين وكسرها : أي تظن ( نفسك تائبا وأنت ) في الحقيقية ( مصر ) أي مقيم ( على ) ارتكاب ( الكبائر ، فلقد بلغنا عن كهمس بن الحسن ) التميمي البصري رحمه اللّه ، كان ثقة ، مات سنة تسع وأربعين بعد المائة ، كذا في سراج السالكين ( أنه قال : أذنبت ذنبا فأنا أبكى عليه ) أي لأجل الذنب ( منذ ) أي وقت ( أربعين سنة ، قيل ما هو ) أي ذلك الذنب ( يا أبا عبد اللّه )