دعوت اللّه فيها ثلاثين سنة فما قضيت إلى الآن فرأيت فيما يرى النّائم كأنّ قائلا يقول لي : أتتعجّب من ذلك ، أتدري ما ذا تسأل اللّه ؟ إنّما تسأل اللّه سبحانه أن يحبّك ، أما سمعت قوله جلّ جلاله :
« إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ »
أفهذه حاجة هيّنة ؟ فانظر إلي هؤلاء الأئمّة واهتمامهم ومواظبتهم على صلاح قلوبهم والتّزوّد لمعادهم . وأمّا الضّرر المخوف في تأخير التّوبة فإنّ أوّل الذّنب قسوة وآخره والعياذ باللّه شؤم وشقوة ،
شرح
أي لنا حاجة ( دعوت اللّه فيها ) أي سألت اللّه أن يقضينى حاجتي ( ثلاثين سنة فما قضيت ) أي تلك الحاجة ( إلى الآن ) أي إلى الزمان الحاضر وهو بعد مدة ثلاثين سنة ( فرأيت فيما يرى النائم كأن قائلا يقول لي ) يا أبا إسحق ( أتتعجب ) أي أتستشعر في نفسك عجبا ( من ذلك ) أي من تأخير قضاء الحاجة ( أتدري ما ذا ؟ ) أي أي شئ ( تسأل اللّه إنما تسأل اللّه سبحانه ) في الحقيقة ( أن يحبك ، أما سمعت قوله جل جلاله :إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ) من الذنوب ( ويحب المتطهرين ) أي المتنزهين عن الفواحش والأقذار كمجامعة الحائض والإتيان في غير المأتى كما قاله القاضي البيضاوي ( أفهذه ) أي أتظن أن هذه المحبة ( حاجة هينة ) أي سهلة ( فانظر إلى ) حال ( هؤلاء الأئمة ) منهم الأستاذ أبو إسحاق وكهمس بن الحسن الآتي ( واهتمامهم ومواظبتهم ) أي ملازمتهم ( على صلاح قلوبهم ) بالمجاهدة والمراقبة ( والتزود ) أي أخذ الزاد ( لمعادهم ) أي آخرتهم لأنها معاد الخلق كلهم .
( تنبيه ) وحيث أطلق القلب في لسان الشرع فليس المراد به الجسم الصنوبري الشكل فإنه للبهائم والأموات ، بل المراد به معنى آخر يسمى بالقلب أيضا ، وهو جسم لطيف قائم بالقلب اللحمانى قيام العرض بمحله أو قيام الحرارة بالفحم ، وهذا القلب هو الذي يحصل منه الإدراك ، وترتسم فيه العلوم والمعارف ( وأما الضرر المخوف في تأخير التوبة فإن أول الذنب قسوة ) أي قسوة القلب بتراكم الظلمة عليه من المعاصي حتى تصير رينا وطبعا فلا تقبل المحو ( وآخره ) أي عاقبة الذنب ( والعياذ باللّه ) أي أعوذ باللّه من ذلك ( شؤم ) أي قبيح ( وشقوة ) ضد السعادة .
قال لقمان لابنه : « يا بنى لا تؤخر التوبة فإن الموت يأتي بغتة » أخرجه عبد اللّه بن أحمد في زوائده والبيهقي عن عثمان بن زائدة .
قال المصنف أبو حامد وغيره : ومن ترك المبادرة إلى التوبة بالتسويف : أي المطل والتأخير ، وأصله أن يقول لمن وعده بالوفاء : سوف أفعل مرة بعد أخرى كان بين خطرين عظيمين : أحدهما أن تتراكم الظلمة على قلبه من المعاصي حتى تصير رينا وطبعا فلا تقبل المحو . الثاني أن يعالجه المرض أو الموت فلا يجد مهلة للاشتغال بالمحو لذلك ، ورد في الخبر « إن أكثر صياح أهل النار من