ولا حكم فاعلم هذه حقّها راشدا فهذه هذه . فإذا أنت عملت ما وصفناه وبرّأت القلب عن اختيار مثلها في المستقبل فقد خرجت من الذّنوب كلّها ، وإن حصلت منك تبرئة القلب ولم يحصل منك قضاء الفوائت وإرضاء الخصوم فالتّبعات لازمة وسائر الذّنوب مغفورة . ولهذا الباب شرح يطول فلا يحتمله هذا المختصر ، وانظر كتاب التّوبة من كتاب إحياء علوم الدّين أوّلا ، وكتاب القربة إلى اللّه تعالى ثانيا ، وكتاب الغاية القصوى ثالثا
شرح
بأخلاق اللّه ، وهو إصلاح ذات البين ، وسائر الأخلاق المحمودة ، فتفكر الآن في نفسك إن خلت صحيفتك عن المظالم أو تلطف لك حتى عفا عنك وأيقنت بسعادة الأبد كيف يكون سرورك في منصرفك من مفصل القضاء ، وقد خلع عليك خلعة الرضا ، وعدت بسعادة ليس بعدها شقاء ، وبنعيم لا يدور بحواشيه الفناء واللّه أعلم . قال رحمه اللّه تعالى : ( ولا حكم ) الآن بإرضاء الخصوم ( فاعلم هذه ) أي جملة الأمر و ( حقها ) هو التخلق بأخلاق اللّه والإتيان بحقوق عباده كما هو ظاهر ( راشدا ) أي إصابة للصواب ( فهذه ) الجملة ( هذه ) أي الموصوفة بالكمال والوصول إلى النهاية كذا في سراج السالكين ( فإذا أنت عملت ما وصفناه ) لك من الندم على ارتكاب الذنب مع الابتهال إلى اللّه ( وبرأت القلب عن اختيار مثلها ) أي الذنوب التي تبت عنها ، وذلك بأن توطن قلبك على ترك العود إلى ذلك المثل أبدا ( في المستقبل ) أي فيما يستقبل من الزمان وأرضيت الخصم عن الحقوق التي هي له عليك ( فقد خرجت من الذنوب كلها ) من حقوق اللّه وحقوق عباده ( وإن حصلت منك تبرئة القلب ) من اختيار مثل الذنوب ( و ) لكن ( لم يحصل منك قضاء الفوائت ) من الصلاة أو الصوم أو غيرهما فتوبتك صحيحة ولكن يجب عليك قضاء ما فات منها ، لأن التوبة عبادة الوقت لوجوبها على الفور وقد قمت بها ولا وقت لها معين والذمة مشغولة بك ، كذا أفاده الزبيدي ، وان لم تقض الفوائت فهي لازمة لك ( و ) كذا ( إرضاء الخصوم فالتبعات ) بفتح التاء وكسر الباء الموحدة جمع تبعة بفتح التاء وكسر الباء : أي حقوق الآدميين ( لازمة ) لك غير منفكة ( و ) أما ( سائر الذنوب ) غير التبعات فهي ( مغفورة ) بفضله تعالى ورحمته ( ولهذا الباب ) أي باب التوبة ( شرح ) أي بيان ( يطول ) ذكره ( فلا يحتمله هذا المختصر ) المسمى ( منهاج العابدين إلي جنة رب العالمين ) لأن إيراد الشرح الكثير هنا خلاف الوعد الذي هو الإيجاز والاختصار لهذا الكتاب ( و ) إن أردت بسط الكلام ( انظر ) الكتاب الذي صنفناه ، أعنى ( كتاب التوبة ) في ربع المنجيات ( من كتاب إحياء علوم الدين أولا ، و ) أنظر ( كتاب القربة إلى اللّه تعالى ثانيا ، وكتاب الغاية القصوي ثالثا ) وكلاهما أيضا للمصنف أبى حامد الغزالي أيضا ، لكن لا يوجدان الآن في أكثر البلاد حتى في مصر والشام كما قد بحثه وتتبعه بعض