[ إذا علم اللّه الصدق من قلب العبد فإنه يرضى خصماءه من خزانة فضله ]
والرّجاء منه بفضله العظيم وإحسانه العميم أنّه إذا علم الصّدق من قلب العبد فإنّه يرضى خصماءه من خزانة فضله
شرح
فيقابل إيذاء الناس أي إن كان آذاهم بالإحسان إليهم ، ويكفر غصب أموالهم بالتصدق على الفقراء بملكه الحلال ، ويكفر تناول أعراضهم بالغيبة والقدح فيهم بالثناء على أهل الدين والصلاح ، وإظهار ما يعرف به من خصال الخير من أقرانه وأمثاله ، وبث ذلك بين الناس ، ويكفر قتل النفوس باعتاق الرقاب ، لأن ذلك إحياء إذ العبد مفقود لنفسه موجود لسيده ، فالاعتاق إيجاد : أي بمنزلته لا يقدر الإنسان على أكثر منه ، إذ ليس في وسعه الإيجاد الحقيقي ، فجعل الاعتاق قائما مقامه رحمة من اللّه على عباده ومنة منه عليهم ، فيقابل الإعدام الذي هو قتل النفس بالإيجاد الذي هو عتق الرقبة ، وبهذا تعرف أن ما ذكرناه من سلوك طريق المضادة في التكفير والمحو مشهود له في الشرع حيث كفر القتل باعتاق الرقبة ؛ وهذا من الأسرار الإلهية التي لا يدركها إلا حواص البشر ، ثم إذا فعل ذلك كله لم ينجه ولم يكفه ما لم يخرج عن مظالم العباد ، ولذا يطلب منه الرجوع إلى اللّه تعالى ليرضيهم عنه ( والرجاء منه ) تعالي ( بفضله العظيم وإحسانه العميم ) لجميع العوالم ( أنه ) سبحانه وتعالى ( إذا علم ) أي علم ظهور ( الصدق من قلب العبد ) وصدق العبد بأن يكثر من حسناته ليوم القصاص ويخفى ببعض الحسنات بينه وبين اللّه بكمال الإخلاص بحيث لا يطلع عليه إلا اللّه ( فإنه ) جل وعز ( يرضى خصماءه ) أي العبد ( من خزانة فضله ) تعالي ، والخزانة بكسر الخاء والجمع خزائن : أي من فضله تعالى ولطفه الذي ادخره لأحبابه المؤمنين في دفع مظالم العباد ، كما روى عن أنس رضى اللّه عنه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال « بينما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم جالس إذ رأيناه يضحك حتى بدت ثناياه فقال عمر رضى اللّه عنه ما يضحكك يا رسول اللّه بأبى أنت وأمي ؟ قال رجلان من أمتي جثيا بين يدي رب العزة ، فقال أحدهما : يا رب خذلى مظلمتي من أخي ، فقال اللّه تعالى : أعط أخاك مظلمته ، فقال يا رب لم يبق من حسناتي شئ ، فقال اللّه تعالى للطالب كيف تصنع بأخيك ولم يبق من حسناته شئ ؟ قال يا رب يتحمل عنى من أوزارى ، قال : وفاضت عينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالبكاء ثم قال إن ذلك ليوم عظيم ، يوم يحتاج الناس إلى أن يحمل عنهم من أوزارهم ، قال فقال اللّه للطالب ارفع رأسك فانظر في الجنان ، فرفع رأسه فقال يا رب أرى مدائن من فضة مرتفعة ، وقصورا من ذهب مكللة باللؤلؤ لأي نبي هذا أو لأي صديق هذا ، أو لأي شهيد هذا ؟ قال لمن أعطاني الثمن ، قال يا رب : ومن يملك ثمنه ، قال أنت تملكه ، قال وما هو ؟ قال عفوك عن أخيك ، قال يا رب إني قد عفوت عنه ، قال اللّه تعالى خذ بيد أخيك فأدخله الجنة ، وفي رواية : فادخلا الجنة ثم قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عند ذلك اتقوا اللّه وأصلحوا ذات بينكم فان اللّه يصلح بين المؤمنين » . قال أبو حامد الغزالي رحمه اللّه تعالي : وهذا تنبيه على أن ذلك إنما ينال بالتخلق