تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 164

مساهمون:

ص١٦٤
وأمّا في الدّين بأن كفّرته أو بدّعته أو ضللته ، فهو أصعب الأمور فتحتاج إلى تكذيب نفسك بين يدي من قلت له ذلك وأن تستحلّ من صاحبك إن أمكنك وإلّا فالابتهال إلى اللّه تعالى جدّ والتّندّم على ذلك ليرضيه عنك . وجملة الأمر فما أمكنك من إرضاء الخصوم عملت وما لم يمكنك رجعت إلى اللّه سبحانه وتعالى بالتّضرّع والابتهال والتّصدّق ليرضيه عنك فيكون ذلك في مشيئة اللّه سبحانه يوم القيامة
شرح
ملائكة الرحمة جاء تائبا مقبلا بقلبه إلى اللّه ، وقالت ملائكة العذاب إنه لم يعمل خيرا قط ، فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه حكما بينهم ، فقال : قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له ، فقاسوا فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد فقبضته ملائكة الرحمة » وفي رواية لمسلم « فكان إلى القرية الصالحة أقرب منها بشبر ، فجعل من أهلها » وفي رواية « فأوحى اللّه تعالى إلى هذه أن تباعدى وإلى هذه أن تقربى وقال قيسوا ما بينهما فوجدوه إلى هذه أقرب بشبر ، فغفر له » فبهذا الحديث يعرف أنه لا خلاص إلا برجحان ميزان الحسنات ولو بمثقال ذرة ، فلا بد للتائب من تكثير الحسنات كذا قاله أبو حامد الغزالي وغيره ( وأما ) المظالم ( في الدين ) وذلك ( بأن كفرته ) أي نسبت الإنسان إلى الكفر بأن قلت يا كافر ( أو بدعته ) أي نسبته إلى البدعة بأن قلت يا مبتدع ( أو ضللته ) أي نسبته إلى الضلال ( فهو ) أي التكفير وما بعده ( أصعب الأمور ) وأشقها ( فتحتاج إلى تكذيب نفسك بين يدي من قلت له ذلك ) أي التكفير ونحوه بأن تقول إني كذبت في قولي كذا وكذا في حق فلان ( وأن تستحل من صاحبك ) أي الذي هو الإنسان الكفر مثلا ( إن أمكنك ) الاستحلال ( وإلا ) أي وإن لم يمكن ذلك لموته أو غيره ( ف ) الواجب عليك ( الابتهال ) والتضرع باخلاص الدعاء ( إلى اللّه تعالي جدا ) بكسر الجيم أي اجتهادا كاملا ( والتندم ) أي تكلف الندم حتى يصير كالطبع بسبب فعلك ( على ذلك ) أي تكفير الغير وغيره من المظلمة ( ليرضيه ) اللّه تعالى ( عنك ) يوم القيامة عند محاسبة الأعمال ( وجملة الأمر ) أي حاصل الكلام ( فما أمكنك من إرضاء الخصوم ) بضم الخاء جمع خصم ، والخصم يقع على المفرد وغيره والذكر والأنثى بلفظ واحد ويجمع أيضا على خصام مثل بحر وبحار وبحور كما في المصباح ، والمراد هنا المستحقون ما فيك من الحسنات ( عملت ) به مع التلطف بالإحسان إليهم ( وما لم يمكنك ) من الإرضاء لهم ( رجعت إلى اللّه سبحانه وتعالى بالتضرع والابتهال والتصدق ) على الفقراء بالمال الحلال ( ليرضيه ) أي ذلك الخصم ( عنك فيكون ذلك ) أي الإرضاء ( في مشيئة اللّه ) وإرادته ( سبحانه يوم القيامة ) وقال في الإحياء وغيره : فمتى تعلق به حق اللّه تعالى تداركه بالندم والتحسر مع التضرع والابتهال وترك ماله في المستقبل والإتيان بالحسنات التي هي أضدادنا : أي المعاصي ،
سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 164 | السيد احمد بن زيني دحلان