سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 13
ولكنّ اللّه يضلّ من يشاء ويهدى من يشاء وهو أعلم بالمهتدين . والصّلاة على سيد المرسلين ، وللّه في كل تحريكة * وتسكينة أبدا شاهد وفي كل شيء له آية * تدل على أنه واحد ( ولكن اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ ) لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون ( وهو أعلم ) أي عالم ، لأن المقدورات بالنسبة إلى قدرته تعالى لا تتفاوت ( بالمهتدين ) أي بمن هو أهل للهداية [ بيان ان سيدنا محمدا صلى الله عليه وآله وسلم اشرف المرسلين ] ( والصلاة ) أي الرحمة المقرونة بالتعظيم ( على سيد المرسلين ) أي أشرفهم وأفضلهم ؛ وإذا كان أشرف المرسلين الذين هم أفضل الخلق فهو أشرف من غيرهم بالأولى ، فهو صلّى اللّه عليه وسلّم أفضل الخلق على الإطلاق ، وقد حكى الفخر الرازي الإجماع خلافا للزمخشري في تفسير كشافه حيث شذ بتفضيل جبريل عليه صلّى اللّه عليه وسلّم مستدلا بقوله تعالى « إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ » * الآية . حيث عدّ فيه فضائل جبريل فإنه وصف فيه بأنه رسول كريم إلى قوله « أمين » واقتصر على نفى الجنون عنه صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله تعالى « وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ » . وقد خرق في ذلك الاجماع ولا دلالة في الآية لما ادعاه ، لأن المقصود منها نفى قولهم « إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ » وقوله « أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ » وليس المقصود المفاضلة بينهما ، وإنما هو شئ اقتضاه الحال ، ولا عبرة بما قد يتوهم من تفضيل جبريل عليه لكونه كان يعلمه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فكم من معلم بالفتح أفضل من معلم بالكسر ؛ على أنه قد ذكر الشيخ ابن العربي في الفتوحات أن القرآن أنزل عليه صلّى اللّه عليه وسلّم قبل نزول جبريل به عليه ، لكن قال الشعراني بعد أن نقل ذلك عنه : وفيه نظر ، ولم أطلع على ذلك في حديث واللّه أعلم . قال بعضهم : ولولا أنه تاب لكان حقيقا بالعذاب ، وما ورد من النهى عن تفضيله صلّى اللّه عليه وسلّم كقوله « لا تفضلوني عن الأنبياء » وقوله « لا تفضلوني على يونس ابن متى » . وقوله « لا تخيروني على موسى » ونحو ذلك فمحمول على تفضيل يؤدى إلى تنقيص غيره من الأنبياء ، أو أنه قاله قبل أن يعلم أنه أفضل ، ويحتمل أنه قاله تأدبا وتواضعا . وقيل معنى « لا تفضلوني على يونس بن متى » لا تعتقدوا أنى أقرب إلى اللّه من يونس في الحس حيث ناجيت اللّه فوق السماوات السبع وهو ناجى ربه في بطن الحوت في قاع البحر لتنزهه تعالى عن الجهة والمكان ، فيستوى في حقه من فوق السماوات ومن في قاع البحار ، وعدم التفضيل بهذا الاعتبار لا ينافي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم أفضل الجميع ، وقد قال عليه الصلاة والسّلام « أنا أكرم الأولين والآخرين على اللّه ولا فخر أعظم من ذلك » أو ولا أقول فخرا ، بل تحدثا بالنعمة ، كذا في تحفة المريد . قال بعضهم : وتفضيله صلّى اللّه عليه وسلّم ليس لمزيه زائدة فيه على غيره ، وإنما ذلك من اللّه تعالى ، إذ للسيد أن يفضل من عبيده من شاء على من شاء : أي ففضله ذاتي لا كسبى كما قاله عبد الكريم الدمياطي .