[ الكلام على عصمة الأنبياء والمرسلين ]
الإنسان أن يصبر بحيث لا يقع منه ذنب البتة من صغير أو كبير ، كيف وأنبياء اللّه صلوات اللّه عليهم وسلامه الّذين هم أشرف خلق اللّه سبحانه وتعالى ، قد اختلف فيهم أهل العلم : هل نالوا هذه الدّرجة أم لا ؟
شرح
الإنسان أن يصير بحيث لا يقع منه ذنب البتة ) أي قطعا ( من صغير أو كبير ، كيف ) يمكن ذلك ( و ) الحال أن ( أنبياء اللّه صلوات اللّه عليهم وسلامه الذين هم أشرف خلق اللّه سبحانه وتعالى قد اختلف فيهم ) أي الأنبياء عليهم السّلام ( أهل العلم هل نالوا هذه الدرجة ) وهي عدم وقوع الذنب مطلقا ( أم لا ) نالوا وحصلوا ذلك ، وفي ضوء المعالي لبدء الأمالي للعلامة على القارى رحمه اللّه : فالأنبياء عليهم السّلام معصومون عن أنواع الكفر مطلقا قبل البعثة وبعدها بالإجماع وكذا عن سائر الكبائر عمدا باتفاق العلماء المعتبرين ، ومحله بعد البعثة ؛ وأما سهوا فجوزوا وقوعها منهم عند الأكثرين كما في شرح العقائد انتهى . وفي شرح المواقف . وأما صدور الكبائر منهم سهوا أو علي سبيل الخطأ في التأويل فجوزه الأكثرون والمختار خلافه . وفي [ ضوء المعالي ] أيضا : وأما الصغائر فما كان منها دالا على الخسة كسرقة لقمة فلا خلاف في عصمتهم منه مطلقا ، وما لا يدل على ذلك فالمختار لجمهور أهل السنة عصمتهم عن عمده . وأما سهوه فنقل ابن جماعة أن المعصية ضد الطاعة ، وأن الأنبياء معصومون من الكبائر والصغائر عمدا وسهوا خلافا للحنفية في سهو الصغائر انتهى . وهو مخالف لما حكي التفتازاني فيه الاتفاق .
وأما قول شارح [ المقدس ] لعل مراده اتفاق الحنفية فغير صحيح لما بينه في شرح العقائد أنه أراد به الإجماع ، ولعل مراده إجماع المتقدمين أو جمهورهم فلا ينافيه المنقول عن الأستاذ أبي إسحاق الإسفراينى ، وأبى الفتح الشهرستاني والقاضي عياض أنهم معصومون عن الكبائر والصغائر عمدا وسهوا ، واختاره السبكي ولا يبعد أن يقال المراد بالاتفاق هو التجويز ، ومورد الاختلاف الوقوع ، واللّه أعلم .
قال العلامة النوبى : الذي أعتقده وأدين به وأعتمده تبعا للأستاذ أبي إسحاق الأسفرايني وأبى الفتح الشهرستاني والقاضي عياض وكثير من المتأخرين منهم الإمام السبكي والإمام البلقيني ، ونقله في زيادات الروضة عن المحققين ، واعتمده القاضي حسين : هو أن الأنبياء صلوات اللّه وسلامه عليهم معصومون من الكبائر والصغائر عمدا وسهوا قبل النبوة وبعدها . لأن المعصية ولو قبل النبوة تورث معرة وشبهة في تبليغ الأحكام تمنع من اتباعهم فتفوت مصلحة البعثة ، ويؤيد عصمتهم قبل النبوة قوله تعالي« لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ » ،وما نقل عنهما آحادا أو تواترا فمؤول بترك الأفضل كأكل آدم وفعل إخوة يوسف ، على أن أكل آدم من الشجرة إنما كان باجتهاد منه ، وهو أنه فهم من قوله تعالى« وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ » *أن النهى خاص بشجرة معينة مستدلا بأن النهى جائز تخصيصه ، فلم يقرب تلك الشجرة المعينة ، فأكل من جنسها لامن عينها