تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤

[ الاختلاف في حد الندم الذي هو التوبة ]

ولم يذكر ممّا ذكرتم من شرائطها وشدّدتم شيئا ؟ يقال له : اعلم أوّلا أنّ النّدم غير مقدور للعبد ، ألا ترى أنّه تقع النّدامة عن أمور في قلبه وهو يريد أن لا يكون ذلك والتّوبة مقدورة للعبد مأمور بها . ثمّ إنّا قد علمنا أنّه لو ندم على الذّنوب لما ذهب بذلك جاهه بين النّاس أو ماله في النّفقة فيها ، فإنّ ذلك لا يكون توبة بلا ريب ، فعلمت بذلك أنّ في الخبر معنى لم تفهمه من ظاهره ، وهو أنّ النّدم لتعظيم اللّه سبحانه وخوف عقابه ممّا يبعث على التّوبة النّصوح فإنّ ذلك من صفات التّائبين وحالهم ،
شرح
واختلف في حد الندم ، فقال الراغب : هو التحسر من تغرر : أي في أمر فائت ، وقال أبو البقاء : هو أن يلوم نفسه على تفريط وقع منه . وقال غيره : وهو غم يصحب الانسان يتمنى أن ما وقع منه لم يقع ، وكل هذه المعاني متقاربة ( ولم يذكر ) أي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ( مما ذكرتم من شرائطها ) أي شرائط التوبة الأربعة وأركانها ومقدماتها ( وشددتم ) على ( شيئا ) لم يذكر عن النبي عليه الصلاة والسّلام ( يقال له ) أي للقائل ( اعلم أولا ) أي قبل بيان معنى الخبر ( أن الندم غير مقدور للعبد ، ألا ترى أنه ) أي الشأن ( تقع الندامة عن أمور في قلبه وهو ) أي العبد ( يريد أن لا يكون ) أي لا يلحقه ( ذلك ) أي الندم ( والتوبة مقدورة للعبد مأمور بها ، ثم إنا علمنا ) يقينا ( أنه ) أي العبد ( لو ندم ) بكسر الدال من باب طرب ( على ) ما فعله من ( الذنوب لما ذهب ) علة ندم وما زائدة أو مصدرية ( بذلك ) أي بارتكاب الذنوب وفعلها ( جاهه ) فاعل ذهب أي قدره ( بين الناس أو ماله في النفقة فيها ) أي في التصرف والانفاق في سبب تلك الذنوب ( فان ذلك ) أي الندم لما ذكر ( لا يكون توبة ) لعدم تعظيم اللّه تعالى وخوف عقابه ( بلا ريب ) أي بلا شك وحقيقة الريب كما قاله الزمخشري : قلق النفس واضطرابها ، ومنه الحديث « دع ما يريبك » وليس قول من قال : الريب الشك مطلقا بجيد ، بل هو أخص من الشك . وقال بعضهم : في الريب ثلاث معان : أحدها الشك . وثانيها التهمة . وثالثها الحاجة ، أفاده السمين ( فعلمت بذلك ) أي بقولنا إنه لو ندم إلى آخره ( أن في الخبر ) المذكور ، وهو قوله صلى اللّه عليه وسلم « الندم توبة » ( معنى لم تفهمه من ظاهره ) أي الخبر ( وهو ) أي ذلك المعنى ( أن الندم ) على فعل الذنوب هو ( لتعظيم اللّه سبحانه وخوف عقابه ) أي لا لخوف من الناس أو سقوط المنزلة وغير ذلك من الأغراض الدنيوية ، وذلك ( مما يبعث ) أي يحمل ( على التوبة النصوح فان ذلك ) أي الندم لتعظيم اللّه سبحانه وخوف عقابه ( من صفات التائبين وحالهم ) وباعتبار اختلاف مراتبهم ، يقال : التوبة صفة المؤمنين ، والإنابة صفة المقربين ، والأوبة صفة الأنبياء المرسلين ، ويقال : إن التوبة من طريق المعنى على ثلاثة أنواع : فالأول التوبة من ذنب يكون بين العبد وبين ربه ، وهذه تكون بندامة الجنان واستغفار اللسان . والثاني التوبة من