تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥

[ الفرق بين التوبة والإنابة والأوبة وبيان أركان التوبة ]

فإنّه إذا ذكر الأذكار الثّلاثة الّتى هي مقدّمات التّوبة ندم وحملته النّدامة على ترك اختيار الذّنوب وتبقى ندامته في قلبه في المستقبل فتحمله على الابتهال والتّضرّع ، فلمّا كان ذلك من أسباب التّوبة وصفات التّائب سمّاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم باسم التّوبة ، فافهم ذلك موفّقا إن شاء اللّه تعالى . فإن قلت كيف يمكن
شرح
ذنب يكون بين العبد وبين طاعة الرب ، وهذه تكون بجبر النقصان الواقع فيها . والثالث من ذنب يكون بين العبد وبين الخلق ، وهذه تكون بارضاء الخصوم بأي وجه من الامكان ، ومن طريق اللفظ ، وسبيل اللطف على ثلاثة وثلاثين درجة منها لا تكون مثمرة حتى يتم أمرها ، ولا تظن أنك مزيد فيها ، فان أباك آدم عليه السّلام كان مقدم التائبين . وإذا أردت التوبة فهو المريد لتوبتك ، فإذا تاب فتوبته عليك جزاؤه بمحبته ، ولا تقبل توبة من يدخرها من الوقت ، ولا ينال مقام التوبة إلا بتوفيق اللّه ، وإذا تاب المؤمن أقبل اللّه عليه بالقبول ، وكفل له نيل المأمول ، ومن تاب كان في أمان الايمان مصاحبا لسلاح الصلاح ، ومن تاب وقصد الباب حصل له الفرج أفضل الأسباب ، إذا أقبل العبد على باب التوبة استحكم عقد أخوته مع أهل الايمان ، ومن أثار غبار المعاصي وأتبعه برشاش الندم غلبت الحكمة الإلهية طاعته على معصيته ومن لاذ بحرم التوبة قبل القدرة عليه فلا سبيل للايذاء عليه . وروى صاحب نهج البلاغة أن عليا رضى اللّه عنه قال لرجل قال بحضرته أستغفر اللّه : ثكلتك أمك ، أتدري ما الاستغفار ؟ قال : الاستغفار درجة العليين ، وهو اسم واقع على ستة معان : أولها الندم على ما مضى ، والثاني العزم على ترك العود إليه أبدا . والثالث أن تؤدى إلى المخلوقين حقوقهم حتى تلقى اللّه عز وجل ليس عليك تبعة . والرابع أن تعمد إلى كل فريضة ضيعتها فتؤدى حقها . والخامس أن تعمد إلى اللحم الذي على السحت فتذيبه بالأحزان حتى يلصق الجلد بالعظم وينشأ بينهما لحم جديد . والسادس أن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية ، فعند ذلك تقول أستغفر اللّه ( فإنه ) أي العبد المذنب ( إذا ذكر ) في قلبه ( الأذكار الثلاثة التي هي مقدمات التوبة ندم ) على فعله ما يخالف الشرع ( وحملته الندامة على ترك اختيار الذنوب وتبقى ندامته في قلبه في المستقبل فتحمله ) هذه الندامة ( على الابتهال والتضرع ) إلى اللّه تعالى ، هما مترادفان كما قيل ( فلما كان ذلك ) أي الندم لما ذكر ( من أسباب التوبة وصفات التائب سماه ) أي الندم لذلك ( رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم باسم التوبة ) مجازا مرسلا من قبيل تسمية السبب باسم المسبب ( فافهم ذلك ) أي التسمية ( موفقا ) أي حال كونك أعطيت التوفيق من اللّه ( إن شاء اللّه تعالى . فإن قلت : كيف يمكن