التّوبة عن الزّنا وقطع الطّريق وسائر ما مضى من الذّنوب الّتى هو عاجز عن أمثالها اليوم في الصّورة . والرّابعة أن يكون ترك اختياره لذلك تعظيما للّه عزّ وجلّ وحذرا من سخطه وأليم عقابه مجرّدا لا لرغبة دنيويّة أو رهبة من النّاس أو طلب ثناء أو صيت أو جاه أو ضعف في النّفس أو فقر أو غير ذلك ، فهذه شرائط التّوبة وأركانها ، فإذا حصّلت واستكملت فهي توبة حقيقيّة صادقة .
وأمّا مقدّمات التّوبة فثلاث : إحداها ذكر غاية قبح الذّنوب .
شرح
الهرم ( التوبة عن الزنا وقطع الطريق وسائر ما مضى من الذنوب التي هو عاجز عن ) إتيان ( أمثالها اليوم ) أي زمن الهرم ( في الصورة ) لا في المنزلة . ( والرابعة ) هذه آخر الشرائط الأربعة ( أن يكون ترك اختياره ) أي العبد السالك ( لذلك ) أي الذنب ( تعظيما للّه عزّ وجلّ وحذرا من سخطه وأليم عقابه ) أي عذابه في الدّار الآخرة ( مجردا ) أي عن نفع الدنيا ( لا لرغبة دنيوية أو رهبة ) أي خوف ( من الناس أو طلب ثناء أو صيت ) أي ذكر جميل ينتشر في الناس دون القبيح ، يقال : ذهب صيته في الناس ، وربما قالوا : انتشر صوته في الناس بمعنى صيته كما في المختار ( أو جاه ) أي قدر ومنزلة ( أو ضعف في النفس أو فقر أو غير ذلك ) أي من الأمور الصارفة له عن تعظيم مولاه جل وعز ( فهذه ) أي الشرائط الأربعة ( شرائط التوبة وأركانها ، فإذا حصلت ) ذلك ( واستكملت ) أي بالعمل به ( فهي ) أي توبتك التي استجمعت الشروط والأركان ( توبة حقيقية صادقة ) فهي مقبولة لا محالة بفضل اللّه تعالى لا بطريق الوجوب ، إذ لا يجب شئ على الخالق لأنه لا يرجو ثوابا ولا يخاف عقابا . قال اللّه تعالى« وَلا يَخافُ عُقْباها » .قال المصنف رحمه اللّه تعالى : فالناظرون بنور البصائر المستمدون من أنوار القرآن علموا أن كل قلب سليم من المعاصي مقبول عند اللّه تعالى ، ومتنعم في الآخرة في جوار اللّه تعالى ، ومستعد لأن ينظر بعينه الباقية إلى وجه اللّه تعالى ، وعلموا أن القلب خلق سليما في الأصل ، وكل مولود يولد على الفطرة ، وإنما تفوقه السلامة بكدورة ترهق وجهه من غبرة الذنوب وظلمتها ، وعلموا أن نار الندم تحرق تلك الغبرة ، وأن نور الحسنة يمحو عن وجه القلب ظلمة السيئة ، وأنه لا طاقة لظلام المعاصي مع نور الحسنات ، كما لا طاقة لظلام الليل مع نور النهار ، بل ينسخه ويمحوه ؛ بل كما لا طاقة لكدورة الوسخ مع بياض الصابون ، وكما أن الثوب الوسخ لا يقبله الملك لأن يكون لباسه فالقلب المظلم لا يقبله اللّه تعالى ولا يليق أن يكون في جواره وحظيرته ( وأما مقدمات التوبة ) بكسر الدال أو فتحها : أي في أمور متقدمة أو مقدمة على المقصود ، وهو التوبة للانتفاع بها فيه مع تحريض الدواعي ( فثلاث : إحداها ذكر غاية قبح الذنوب ) وضررها وكونها حجابا بين العبد وبين كل محبوب ، فإن القلب مهما شعر بفوات محبوبه تألم ، فإن كان فواته بفعله تأسف على