تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨

[ ما ورد عن الحسن البصري في التوبة والنصوح ]

وهي عند التّحصيل في قول العلماء رضى اللّه عنهم تنزيه القلب عن الذّنب . قال شيخنا رحمه اللّه في حدّ التّوبة : إنّه ترك اختيار ذنب سبق مثله عنه منزلا صورة تعظيما للّه تعالى وحذرا من سخطه ، فلها إذا أربعة شرائط : إحداها ترك اختيار الذّنب وهو أن يوطّن قلبه ويجرّد عزمه على أنّه لا يعود إلى الذّنب ألبتّة ، فأمّا إن ترك الذّنب وفي نفسه أنّه ربّما يعود إليه أو لا يعزم
شرح
أي عمل من أعماله ، ومعنى النصوح : الخاص للّه خاليا عن الشوائب ، وهو من النصح بضم فسكون فعول للمبالغه في النصح ، وهو الخلوص ، ومنه قولهم : نصح العسل : إذا صفاه . وفي القوت ، وقيل اشتقاقه من النصاح بالكسر وهو الخيط ، والمعنى حينئذ ، أي مجردة لا تتعلق بشئ ولا يتعلق بها شئ ، وهو الاستقامة على الطاعة من غير روغان إلى معصية كما تروغ الثعالب وأن لا يحدث نفسه بعود إلى ذنب متي قدر عليه ، وأن يترك الدنيا لأجل اللّه خالصة لوجهه ، كما ارتكبه لأجل هواه مجمعا عليه بقلبه ، فمتى لقى اللّه تعالى بقلب سليم من الهوى ، وعمل مستقيم على السنة فقد ختم اللّه له بحسن الخاتمة ، فحينئذ أدركته الحسنى السابقة ، وهذا هو التوبة النصوح وهذا العبد التواب ، المتطهر الحبيب . وسئل الحسن عن التوبة النصوح ؟ فقال هي : ندم بالقلب ، واستغفار باللسان ، وتزكية الجوارح ، وإضمار أن لا يعود . وروى ابن أبي حاتم وابن مردويه من حديث أبي بن كعب « التوبة النصوح الندم علي الذنب حين يفرط منك ، فتستغفر اللّه ثم لا تعود إليه أبدا » . قال القرطبي في تفسير التوبة النصوح ثلاثة عشر قولا ( وهي ) أي التوبة النصوح ( عند التحصيل في قول العلماء رضى اللّه عنهم : تنزيه القلب ) أي تبعيده وتصفيته ( عن الذنب ، قال شيخنا ) وهو الشيخ أبو بكر الطرطوسي كما في سراج السالكين ( رحمه اللّه في حد التوبة إنه ترك اختيار ذنب ) أي فعله وإيقاعه ( سبق مثله ) أي الذنب ( عنه ) أي عن العبد ( منزلة لا صورة تعظيما للّه تعالى وحذرا ) أي خوفا ( من سخطه ) أي غضبه تعالي ، ولذلك الندم على شرب الخمر مثلا لاضراره بالبدن ليس بتوبة كما يأتي ( فلها ) أي للتوبة ( إذا ) أي إذا جرينا على قول شيخنا وهو التحقيق ( أربعة شرائط : إحداها ترك اختيار ) فعل ( الذنب ، وهو ) أي الترك ( أن يوطن ) بفتح الواو وكسر الطاء مع التشديد : أي يقرر العبد السالك ( قلبه ويجرد ) أي يخلص ( عزمه ) أي قصده ( على أنه ) أي السالك ( لا يعود إلى الذنب البتة ) أي لا رجعة فيه ولا تردد قطعا ، وهو مصدر منصوب بفعل مقدر والتاء للمبالغة ، وأل في البتة للجنس ، والمسموع قطع همزتها على غير قياس ، وحكم سيبويه بأن أل فيها لازمة ( فأما إن ترك الذنب وفي نفسه ) أي قلبه خاطر من ( أنه ربما يعود إليه ) أي فعل الذنب ( أولا يعزم ) بفتح الياء وكسر الزاي من باب ضرب