تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 12

مساهمون:

ص١٢
العزيز الرّحيم ، الّذى خلق الإنسان في أحسن تقويم ، وفطر السّموات والأرض بقدرته ودبّر الأمور في الدّارين بحكمته ، وما خلق الجنّ والإنس إلّا لعبادته . فالطّريق إليه واضح للقاصدين ، والدّليل عليه لائح للنّاظرين ،
شرح
هذا الكتاب ، بل ولا عمن أعرض عن طاعته وشكره ، كما قاله العلامة ابن حجر في شرح الأربعين . وقيل هو الذي يعطى من غير منة ، ومن كرمه تلقين الجواب حالة العتاب في قوله تعالى« يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ». ولا جواب له هنا سوى قوله : كرمك يا رب ( العزيز ) أي الغالب على أمره ، فلا يمنعه شيء من إنجاز وعده ووعيده . وقيل : هو عديم المثل فيرجع إلى التنزيه ؛ والعزة في الأصل : القوة والشدة والغلبة . تقول : عزّ يعز بالكسر : إذا صار عزيزا ، وعز يعز بالفتح : إذا اشتد ( الرحيم ) أي الرفيق بتعطف ، ذي الرحمة الكثيرة ( الذي خلق الإنسان ) أي جنسه ( في أحسن تقويم ) أي تعديل لصورته ، لأنه تعالى خلق كل ذي روح مكبا على وجهه إلا الإنسان فإنه مديد القامة ، يتناول مأكوله بيده ، مزين بالعلم والفهم والعقل وغير ذلك ، فهو أحسن بحسب الظاهر والباطن ، وهذا مقتبس من قوله تعالى« لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ »( فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ )أي خلقهما بغير مثال ، وإنما جمع السماء لاختلافها بالآثار والحركات في الحس وتباينها في الجنس ، كما ورد في كتاب المعراج ، للأستاذ القشيري : إن السماء الأولى موج مكفوف : أي محبوس ، والثانية من نحاس ، والثالثة من الفضة ، والرابعة من الذهب ، والخامسة من الياقوت ، والسادسة من زمرذ ، والسابعة من نور ، وجمعها باعتبار كونها أفلاك الكواكب السبعة السيارة ، وقدمها لشرفها وعلوّ مكانها ، كذا نقله ابن المدابغى عن السعد في حواشي الأربعين . قال النووي : والجمهور على تفضيل السماء على الأرض : أي ما عدا البقعة الشريفة النبوية ( بقدرته ) وإرادته ( ودبر الأمور ) أي أوجدها على وجه محكم متقن ، هذا معناه إن أضيف إلى اللّه كما هنا ، وإن أضيف إلى العبد فمعناه النظر في عواقب الأمور ( في الدارين ) أي في الدنيا والآخرة ( بحكمته ) فلا يخلو شئ من المخلوقات عن الحكمة كما هو مذكور في التنزيل ( وما خلق الجن والإنس إلا لعبادته ) أي إلا مهيئين ومستعدين لعبادته ، بأن خلق فيهم العقل والحواس والقدرة التي تتحصل بها العبادة ، وهذا لا ينافي تخلف العبادة بالفعل من بعضهم ؛ لأن هذا البعض وإن لم يعبد اللّه لكن فيه التهيؤ والاستعداد ، ولا يخفى أن هذا منتزع من قوله تعالى« وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ »ولعل تقديم خلق الجن في الذكر لتقدمه على خلق الإنس في الوجود كما نقله بعض المفسرين ( فالطريق إليه ) أي إلى خدمته وطاعته ( واضح للقاصدين ، والدليل عليه ) أي على وحدانيته ( لائح ) أي ظاهر ( للناظرين ) بقلوبهم نظر اعتبار . قال الشاعر :أيا عجبا كيف يعصي الإله أم كيف يجحده جاحد
سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 12 | السيد احمد بن زيني دحلان